تراجع النمو للثلاثي الأول لـ 2020 بـ 1،7 ٪ : بداية الآثــــار الكارثية للأزمة الاقتصـــادية

أصدر المعهد الوطني للاحصاء يوم أمس نشريته الفصلية المتعلقة بالنمو الاقتصادي للثلاثي الأول (جانفي وفيفري ومارس) لسنة 2020

وكانت سلبية للغاية اذ حصل انكماش في هذا الثلاثي بـ 1،7 ٪ مقارنة بنفس الثلاثي لسنة 2019، وهذه النتيجة فاقت التوقعات الأولية للحكومة اذ كانت تعول على نمو ايجابي أو قريبا من الصفر باعتبار أن الآثار الأولى لأزمة الكورونا لم تظهر الا في الشهر الثالث لهذه الثلاثية الأولى، إذ للتذكير سجلت بلادنا أول حالة اصابة بالعدوى يوم 2 مارس 2020 وأعلنت الحجر الصحي الشامل انطلاقا من يوم 22 من نفس الشهر، كما أن المنظمة العالمية للصحة لم تعلن فيروس الكورونا كجائحة عالمية الا يوم 11 مارس، أي أن هذا الانكماش الحاد لا يتوزع بالتساوي بين الأشهر الثلاثة الأولى لهذه السنة بل انحصر أساسا في الشهر الثالث وهذا ما يزيد في مخاوفنا على نسبة النمو التي ستسجلها بلادنا على امتداد كامل هذه السنة.
لو افترضنا أن نسبة النمو، دون اعتبار جائحة الكورونا، كانت ستكون في حدود 1 ٪ للثلاثي الأول فهذا يعني تقريبا أن انكماش الاقتصاد لشهر مارس فقط كان في حدود 7 ٪ كاملة بما قد يعني أن انكماش النمو قد يتجاوز الرقمين في الثلاثي الثاني وقد نكون - في أحسن الأحوال - في حدود نمو سنوي سلبي بـ 6 أو 7 نقاط أي أكثر بكثير مما توقعه صندوق النقد الدولي (نمو سلبي بـ 4،3 ٪ على امتداد كامل السنة).

ولقد حصل كل هذا رغم بداية موسم فلاحي استثنائي بنمو ايجابي بـ 7،1 ٪ نتيجة الصابة القياسية للزيتون ولكن تراجعت كل القطاعات الأخرى بـ 1،6 ٪ للصناعات المعملية و 4،5 ٪ للصناعات غير المعملية ( المناجم والمحروقات والبناء) و3،4 ٪ للخدمات المسوقة واللافت هنا هو الانكماش الحاد لقطاعات استراتيجية في الاقتصاد التونسي كالنسيج والملابس والأحذية (15،3 ٪-) والصناعات الميكانيكية والكهربائية (9،2 ٪-) وخدمات النزل والمطاعم والمقاهي (16،8 ٪-).

وفي الحقيقة لا نعتقد أن الانكماش بدأ فقط منذ شهر مارس الفارط بل قد يكون ذلك منذ بداية أو أواسط فيفري الماضي لأن الفاعل الاقتصادي المحلي أو الاقليمي أو الدولي يستبق الأزمات كما يستبق الفرص والاحساس بأزمة صحية عالمية قادمة منذ أواسط فيفري قد دفع ولاشك إلى سلوكيات انكماشية منذ تلك الفترة...
ونفس هذا الاستباق في الاتجاهين هو الذي سيعمق أزمة الاقتصاد الوطني خلال كامل سنة 2020 اذ ستتأخر حتما كل نوايا الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي وبالتالي سيتفاقم الانكماش وستسعى كل المؤسسات الاقتصادية إلي اتباع سياسات حذرة للغاية - هذا اذا ما ضمنت بقاءها على قيد الحياة - وسيعرف جلها شحا في السيولة وسيلجأ جزء منها إلى تسريح جزئي للقوة العاملة وفي أحسن الأحوال إلى تأجيل كل برامج التوسعة والاستثمار والانتداب.

وسوف يظهر عمق الانكماش في هذا الثلاثي الثاني كما أسلفنا ولكن كذلك في الثلاثي الثالث نظرا للكارثة التي تنتظر سياحتنا والأنشطة الحافة بها والمستفيدة منها (فلاحة وصناعات تقليدية وتجارة...).

والإشكال هنا ليس فقط في هذا الانكماش الحاد المفروض علينا بحكم سياسة الحجر الصحي وطنيا ودوليا ولكن في سياسات المرافقة والتوقي والاستباق للسلط العمومية... فالانكماش حاصل لا محالة هذه السنة ولكن حسب نجاعة التدخل العمومي لإنقاذ المؤسسات والقطاعات في الإبان نخرج بأخف الأضرار من هذا الانكماش الحاد وعلى قدر التلكؤ أو سوء الاختيار أو عدم التوفق إلى التحكيمات الذكية على المستوى العام وداخل كل قطاع على حدة يتحول الانكماش الظرفي الى أزمة اقتصادية واجتماعية دائمة...

نحن الآن أمام الموجات الأولى لهذا التسونامي القادم والأساس هنا هو في القدرة على الصمود وفي حسن قيادة مركب تونس حيال هذه الأمواج العاتية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا