عندما يجرنا الإسلامويون إلى حروب الهوية من جديد

لقد اعتقدنا - متفائلين - أن بعض حروب الترويكا قد أصبحت وراءنا بما شابها من مشهدية التطرف والخيمات الدعوية والجماعات التكفيرية

وجمعيات التسفير وأدلجة الشباب وفتح الباب أمام مشائخ التطرف والتكفير من عتاة السلفية الوهابية وكل هذه المناخات التي رافقت ودعمت العنف السياسي وكانت الأذرع الحامية للإرهاب فعرفنا الاغتيالات السياسية ومجموعات السلاح في الجبال والمدن التي جعلت من قواتنا الأمنية والعسكرية هدفها الأول..
هذا في ما يتعلق بـ «الأسلمة» العنيفة أما «الأسلمة» الناعمة فقد تمثلت في السعي المحموم لادخال «الشريعة» في نص الدستور وعندما استحال ذلك إلى ادخال بعض عناصرها في التشريع عبر مشاريع قوانين المساجد والأوقاف وتجريم الاعتداء على المقدسات وصندوق الزكاة...

لقد اعتقدنا أن الحوار الوطني واحتداد الأزمة السياسية في صائفة 2013 وما نتج عن ذلك من تنازلات متبادلة خاصة في صياغة الدستور وإحداث نوع من التوازن بين الهوية الاسلامية العربية للبلاد (الفصل الأول) ومدنية الدولة وبالتالي وضعية التشريع (الفصل الثاني) وكذلك رعاية الدين وحماية المقدسات مع كفالة حرية المعتقد والضمير ونشر قيم الاعتدال والتسامح ومنع «دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف».. كما فصّل ذلك الفصل السادس.. ولكن اتضح أن كل هذه «التوافقات» والتنازلات المتبادلة هشة وأن هنالك دوما من يريد في الساحة العامة جرّنا إلى حروب الهوية من جديد، كل مرّة بتسمية مختلفة.

وفي الحقيقة لم تغب تماما حروب الهوية بعد صياغة الدستور وكانت أهم وأعنف مظاهرها تلك الحرب الشعواء التي شُنت على لجنة الحريات الفردية والمساواة ورئيستها الأستاذة بشرى بلحاج حميدة والتي تم تكليفها من قبل الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بتقديم مقترحات لتعديل ترسانتنا القانونية من أجل اقرار المساواة التامة بين الجنسين في الميراث وغيره وتعديل كل القوانين التي تمس من الحريات الفردية وعوضا عن نقاش عام عميق حول الاختيارات المجتمعية الكبرى لتونس الثورة رأينا حملات تكفيرية ودعوات للعنف بل وللتصفية الجسدية ومرّت هكذا دون رقيب أو حسيب.

وتتواصل «معارك» الهوية هذه بأشكال مختلفة، فبعضهم يريد أن يجعل من التكفير «موقفا علميا» أو أن يقول لنا أن التطرف الديني الراديكالي هو وجهة نظر محترمة وأن الإرهاب صناعة استخباراتية حتى وإن سقط فيها بعض «السذج» من السلفيين الجهاديين، وبالتالي لا ترى عند هؤلاء أية إدانة لأقطاب الإرهاب السلفي الجهادي المعولم لا لجماعة القاعدة من أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب السوري وغيرهم ولا لقادة داعش ومنظريها كذلك.. وفي الحقيقة لقد وجدت الجماعات الإرهابية في بلادنا منذ الثورة أذرعا جمعوية و«حقوقية» وإعلامية وسياسية للتبرير والتبييض فالدولة هي التي تمارس الإرهاب على هؤلاء المواطنين «المتدينين» وان لم تكن الدولة فهو معسكر الثورة المضادة المحلي والاقليمي والدولي.

وتتواصل هذه «المعارك» أيضا بمحاولة استئناف مشروع «الأسلمة الناعمة» كـ«صندوق الزكاة» الذي عمدت بلدية الكرم الى فرصة كأمر واقع ضمن مسمى «التدبير الحرّ»..

لتكن المسألة واضحة: لا إشكال لدينا أن تعمد الدولة إلى احداث صندوق للزكاة وفق قانون يضمن مدنية التشريع والرقابة ويكون من باب التبرع ولا يعوض أية ضريبة من الضرائب الواجبة قانونا، بل بالعكس تماما ولكن ما نرفضه بشدة هو هذه المحاولة لخوصصة فريضة دينية ولخوصصة دور من أدوار الدولة الراعية وحدها للدين.
ما ينبغي أن يُدان - ومن الجميع - هو تحويل فريضة دينية إلى موضوع انقسام في المجتمع.

وللتذكير فهذه هي استراتيجية الإسلام السياسي منذ البداية: تقسيم الناس إلى مؤمن حقيقي بالدين الصحيح (أي الجماعة الإسلامية) وبقية المجتمع «الجاهلي»، الجاهلي عقائديا لأنه لا يحكم بما أنزل الله والجاهلي أخلاقيا وسلوكيا لأنه لا يلتزم بالقواعد الدينية وفق التعريف السلفي المنغلق لها... وهكذا كانت الصلاة موضوعا للانقسام في سبعينات القرن الماضي بادخال خلافات في الشكل (القبض بدل السدل أساسا) وكذلك صوم رمضان والإفطار في العيد باتباع رؤية الهلال في المشرق لا الروزنامة الرسمية للبلاد واليوم يريد بعض الإسلامويين تقسيم التونسيين حول فريضة الزكاة.

في الحقيقة الإسلام السياسي كان دوما ضدّ الهوية الإسلامية للشعوب العربية لأنه يريد تحويل الموروث الديني المشترك إلي ايديولوجيا تقسم المجتمع حول تدينه التاريخي..

لسنا ندري هل نحن أمام سحابة عابرة أم موجة جديدة ستفرض على البلاد معارك جانبية أليمة.. ولكن ما نعرفه حقا هو أن موقف حركة النهضة سيكون محددا هنا، فإما الانتصار بوضوح لا لبس فيه لنص وروح الدستور ومعارضة هذه الإسلاموية الزاحفة الجديدة أو العودة إلى حنين «الشياطين القديمة» واللعب على عواطف بعض المتدينين قصد مزيد التمترس السياسي ضدّ خصومها وحينها ستفرض هذه المعارك الهامشية من جديد وسيزيد تشتت الجهود من أجل الإنقاذ والإصلاح الفعليين للبلاد..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا