صلاحيات وزارة العدل: والمجلس الأعلى للقضاء الخلافات النائمة

الخلاف بين وزارة العدل و المجلس الأعلى للقضاء حول الصلاحيات ليس وليد التباين الّذي شهدناه في الأيام الأخيرة حول العودة التدريجية

للنشاط القضائي ، بل يعود إلى الخلاف حول القانون الأساسي المتعلّق بالمجلس الأعلى للقضاء الّذي تمّت المصادقة عليه من طرف مجلس نواب الشعب في 23 مارس 2016، استئناسا برأي الهيئة الوقتية للقضاء العدلي الّتي» فوّضت النظر « للجلسة العامّة في إتخاذ ما تراه ». ولم يختمه رئيس الجمهورية المرحوم محمد الباجي قائد السبسي إلاّ في 28 /4 /2016، بعد أن تمّت إحالته عليه من الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين الّتي اكتفت بالتصريح بـ «عدم حصول الأغلبيّة المطلقة» لاتخاذ قرار في شأنه حسب ما جاء آنذاك في بلاغ لرئاسة الجمهورية .

هذا الخلاف حول الصلاحيات رغم تحديدها في القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء ،تمّ الالتفات عنه بعد انتخابات المجلس الأعلى للقضاء و بعد تحسين أو ضاع القضاة ، ولكن لم يحسم ولن يحسم طالما لم تجنح كل الاطراف إلى الحوار البناء والرصين، باعتبار أن الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين سبق لها أن تنصلت من عملية الحسم بدعوى عدم إفراز أغلبية مطلقة لإتخاذ قرار إيجابي .

هكذا تبقى النار تحت الرماد قابلة للإشتعال كلّما حصل نبش في الصلاحيات و كلما دار النقاش حول أسس ممارسة هذا الهيكل لسلطاته ، إذ أن المؤيدين لموقف المجلس الاعلى للقضاء يعتبرون أن أي تدخل لوزارة العدل في الشأن القضائي سعي للمس من إستقلال القضاء ، في حين تحصر وزارة العدل مجال اختصاص المجلس في ما يهم تنظيم سير المجلس و المسار المهني للقضاة واعتباره سلطة إقتراح و إبداء الرأي فقط

كما أن العديد من القضاة لايستسيغون أن يضم هيكلهم غير القضاة رغم أن الأغلبية مضمونة لهم بإعتبار أننا لا نجد ضمن تركيبة المجلس إلا 15 عضوا من غير القضاة من مجموع 45 عضوا، ولعلّه لهذا السبب لا نسمع صوتا غير صوتهم، بل لا يمكن للمحامين و لمساعدي القضاء أو غيرهم أن يثيروا عدم تشريكهم في اتخاذ القرارات باعتبارهم ممثلين في هذا الهيكل الذي يتخذ قراراته بالأغلبية .

لذلك يرى بعض المحامين أن اعتبارهم شركاء في إقامة العدل طبق الفصل 105 من الدستور ، أو تمثيلهم في المجلس الأعلى للقضاء ، لا يمنحهم أي دور إضافي في الشأن القضائي ، بل يكبلهم و لا يعكس دورهم الحقيقي في المنظومة القضائية .
من هنا تندلع الخلافات بين المحامين والقضاة أيضا بن الفينة والأخرى ، و يكثر تبادل التهم بخصوص المسافة من شعار «إستقلال القضاء» الّذي سبق أن وصفناه بــ«الشعار الخاوي» لا لعدم الإنحياز إليه وإنما لهزال المضامين الّتي يُراد تحميلها له، قياسا بما تطمح إليه أوسع الفئات الشعبية من سلطة قضائية تحقق فعلا العدل ، حاسمة ومستقلّة و نزيهة في قضائها و لا تحتكم إلا للقانون ..

لذلك سبق أن أكدنا أن المجلس الأعلى للقضاء ليس غاية في حدّ ذاته ، بل هو وسيلة لتركيز سلطة قضائية عادلة ومنصفة ومحايدة و فاعلة في تكريس سيادة القانون و المؤسسات.و على الدولة أن توفر ما يكفي من موارد مالية و بشرية و بنية أساسية لضمان حسن سير القضاء، وعليها أن تدرك أهمية هذا الهيكل لفرض سيادتها وأن تعي ضرورة العمل على تفعيل دوره ، كما أنه على هذا الهيكل أن يدرك ، أنّه لن يدرك غايته في تشكيل سلطة قوية دون إشراك كل الأطراف المعنية و ذلك لكسب الثقة فيه وتبديد المخاوف ممّا مورس و يُمارس باسم القضاء، و كذلك لتبديد المخاوف من سلطة قضاة متغوّلة، أي «سيّدة نفسها»، مع التذكير بأن كل السلطات مهما كانت، لا بد أن تخضع لرقابة، لأن كل سلطة مطلقة تنتهي إلى التجاوز و الحيف وإن سعت إلى العدل.

إن الشأن القضائي لم يستقر منذ سنوات بسبب التجاذب المتواصل بخصوصه من أحزاب الأغلبية و خاصة حزب النهضة، ولا بد من القول بأن هذا الأمر ما كان أن يحدث لو لم يُخترق هذا الجسم، و لو لم تتوفر إرادة الانصياع في داخله بإقتناع أو بخوف،و لو لم يكن القلب النابض قي القضاء محصنا ممن يشاركونه و يقاسمونه هاجس بناء قيم العدالة و تكريسها في إقامة سلطة قضائية قوية و متماسكة .

لقد كان بالإمكان حل الخلاف الحالي بخصوص الصلاحيات قانونيا لو كانت المحكمة الدستورية قائمة ،و هذا قول فيه كثير من التفاؤل ، لأن ما يشهده مشروع هذه المحكمة يحكمه تشريع منخرم من الأساس، بحكم أن التركيبة الّتي جاء بها التشريع، لا يمكن أن تكون محايدة ومستقلة بحكم إرتباطها بالمحاصصة الحزبية، والدليل على ذلك تعطلّ تشكيلها.
لذلك يزداد التشاؤم بخصوص إصلاح شان القضاء طالما لم يتعمّق وعي المعنيين به والمنظمات الحقوقية الديمقراطية والمجتمع المدني الناشط في مجال الحقوق والحريات ، بالقاسم المشترك في العمل على تحصين العدل والعدالة . و يبقى هذا الاختلاف حول الصلاحيات بركانا نائما من المنتظر أن يلتهب أيضا عند طرح المشروع الجديد لمجلة الإجراءات الجزائية خاصة عند النظر في كيفية تحديد السياسة الجزائية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا