ما خفي وراء مجابهة «كورونا»

كان من المنتظر أي يتداول مجلس نواب الشعب يومي الأربعاء والخميس 29 و30 أفريل الماضي حول أربعة مشاريع قوانين أدرجت للنظر فيها بصفة إستعجالية ،

من بينها مشروعين يتعلقان باتفاقيتين مع تركيا و قطر ،أدرجهما مكتب المجلس في الجلستين المذكورتين ،و لكن تمّ تأجيل ذلك إلى موعد لاحق بطلب من الحكومة صاحبة المشاريع ، بعد أن أثار جدول الأعمال المفاجئ الّذي أُدرج فيه المشروعان، حفيظة بعض الكتل البرلمانية ، خاصة و أنهما يتعلقان باتفاقيتين تعودان لسنتي 2017 و 2018 و تتعلّقان بدولتين لهما روابط معلومة مع حزب رئيس مجلس النواب .

بالرجوع إلى جلسة مكتب المجلس يوم 30 أفريل 2020 يتضح أن المشروعين لم يبرمجا لجلستي 12 و13 ماي الجاري الّتين سيقع فيهما البت في طلب وقف الاجراءات الاستثنائية و إستئناف أشغال المجلس وفق التدابير العادية ،و هو ما يؤّكد أن تبرير تمرير المشروعين لصبغتهما الاستعجالية غير جدّي ، وهو ما يضفي على تصريحات المعارضين من النواب ، مصداقية بخصوص الانتقادات الشديدة لرئيس مجلس النواب .

هذه الانتقادات لا تتعلّق فقط بموالاة الغنوشي للمحور التركي القطري الّذي أصبح مكشوفا للجميع ، و إنما تتعلّق أيضا بمساعي صاحب المظلتين - الحزبية والتشريعية - للتحكم في رزنامة عمل البرلمان و تحديد الأولويات كما يراها ، وكذلك في توسيع نفوذه و صلاحياته لتوجيه الحياة السياسية في الدّاخل والخارج ،و هو أمر يمكن أن يقف عليه المتابع من سلسلة اللّقاءات الّتي يعقدها في مكتبه و الإتصالات المختلفة على المستوى الخارجي و آخرها الإتصال الهاتفي مع الرئيس التركي الّتي لم يُكشف محتواها كزيارته السابقة لتركيا.

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

لا شك أن توسع الغنوشي في النفوذ و الصلاحيات ،لا ينظر إليه بعين الرضاء من رئاسة الجمهورية و أيضا من رئيس الحكومة، الّذي بدأ يتدحرج نحو الأسفل، رغم برمجة لقاء بين حكومته و مكتب المجلس لتحديد الأولويات التشريعية ، وذلك كردة فعل على ما يرتبه رئيس المجلس، الّذي يبدو أنه يبسط سيطرته الكاملة على مكتب المجلس بكل الطرق .
لا يتوقف نهم النهضة في المجلس التشريعي و إنما يمتد إلى سعيها الدّائم للإحكام على كل المواقع في السلطة التنفيذية ،من خلال فرض تسميات موالية لها سواء بواسطة رئيس الحكومة نفسه بالعمل الدّائم على تعيين مستشارين تابعين لها برتبة وزراء ، أو بواسطة وزرائها المباشرين عبر تعيين مديرين عامين ومديرين و مسؤولين فاعلين آخرين في مناصب حسّاسة بالدولة ومؤسساتها.

هذا النهم أصبح يثير حفيظة كل الأحزاب غير المصطفة في طابور النهضة أو المتواطئين معها صمتا أو طمعا أو خوفا . فالنهضة لا تتمالك نفسها أمام العمل على التفرّد بالسلطة ، و لو أدى الأمر إلى «إلتهام» المتحالفين معها الّذين نراهم يحومون كالفراش حول النار الّتي ستحرقهم.

لا أحد يريد لتونس أن تكون معزولة عن العالم و لا أحد يرفض الاتفاقيات مع الدول الصديقة والشقيقة ،خاصة عند الازمات ، ولكن دون أن يكون ذلك على حساب مصالح البلاد و دون إستعمال أساليب المخاتلة وجر تونس نحو الانخراط في محاور أو أحلاف تقلّص سيادة الدولة أو تسلبها حق إتخاذ القرار الوطني الّذي يناسبها . هذا الهاجس جعل الدستوري الحر والاتحاد العام التونسي للشغل وبعض الشخصيات السياسية ، تعرب على رفضها لمشاريع الاتفاقيات التّي تعتبرها مسيئة لمصلحة تونس.

لا نلوم تركيا الّتي تتصرّف وفق أملاءات مصلحتها في الشرق الأوسط أو في شمال إفريقيا و غيرها ،أو التّي تريد أن تستغل الإسلام السياسي لكسب فضاء حيوي لها لإنعاش اقتصادها و تعزيز نفوذها في المناطق الّتي تعتبر أنها هي الأوْلى بها، خاصة بعد تواصل التضييق عليها في الفضاء الاوربي .و من حقّها أيضا أن تستعمل الأنظمة و المحاور الّتي تخدم أهدافها. و لكن على الدولة التونسية أن تحمي مصالحها وتحصّن اقتصادها وعلاقاتها و أن تسعى على الدوام إلى فرض التوازن على أساس خدمة المصالح المشتركة خاصة لخلق الثروات ودعم الخيارات الإستراتيجية للاقتصاد.

لذلك تكون مخاوف التونسيين مشروعة من الإنخراط في أي مسار يضر بتونس ومن إنتهاج سياسة لا تساهم في الخروج من الأزمة الّتي ما فتئت تتعمّق، ومن أن تكون «الديمقراطية موجهة» و على مقاس مشروع النهضة في مزيد بسط سيطرتها على الحياة السياسية والعامّة .

هذا الوضع المحتدم بإكرهات فيروس كورنا و الحجر الصحي الشامل، تستغلّه النهضة كما يجب ، كما فعلت في المجلس التأسيسي، و تستغل تشرذم معارضيها و انقساماتهم ،و تجر حلفاءها خلفها و تدفعهم إلى تبني منهجها أو غض النظر عن مشاريعها مقابل تمكينهم من بعض المواقع والنفوذ.

كل هذا يدفع نحو إتخاذ المواقف الحدّية و الدفع بالبلاد في إتجاه «الزنقة الحادة كما يقال» أو المأزق الّذي قد يحدث الانفجار ،كما حدث أيضا في فترة الترويكا . لذلك بدأ الحديث في شبكات التواصل الإجتماعي عن تنظيم تحركات ضد المجلس و الحكومة ، خاصّة إذا تواصل تجاهل التبرم الّذي بدأ يتسع لدى الرأي العام و منظمات المجتمع المدني الّتي لا تخفي غضبها من كيفية التصرف والتسيير في ظرف يقرّ الجميع بتدهوره.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا