في التواصل الإجتماعي والسياسي: فيروسات الظرف الصعب

ما يُنشرُ أحيانا و يُروّج عبر الوسائل المسموعة و المرئية و المكتوبة عن رئيس الجمهورية ، و أيضا عمّا يصنفون كشخصيات سياسية أو حزبية

أو عامّة من تعاليق يتجاوز الانتقاد و التعامل المتحضر والديمقراطي مع الرأي المخالف أو التصرف المختلف عن السّائد ،و لا يبرّر القول بأن الشخصية السياسية شخصية عامّة يجب أن تتحمّل النقد و الحديث عنها و التعاليق كيفما ما اتفق دون حدود.
الجدير بالملاحظة أن الساسة أنفسهم يساهمون في تدني لغة التخاطب فيما يصدر من بعضهم تجاه البعض الآخر من منافسيهم أو معارضيهم، فساهم تعاملهم بهذه الشاكلة في إنخراط عموم الناس تجاههم و تجاه الموالين لهم ، لذلك أصبحت لغة التواصل العامة في كل المواضيع انفعالية و خارقة لمبادء الاحترام .
إن ما يُسمعُ و يشاهد و يقرأ الّذي نقصده ،يشمل قبيح الكلام و الوصف و السخرية و التنابز و السب والشتم و التعبيرات العنصرية ، و كل ذلك ،سواء في إطار التعليق على المواقف أو التصرفات الّتي تكثر فيهما المزايدة و إستعراض القدرات على إستنباط أجرئ الصور و الأوصاف ، أو في إطار الرد على التعاليق ذات الصبغة السياسية بخصوص الزعماء والمرجعيات الّتي يتبناها الفاعلون السياسيون أو الناشطين في شبكة التواصل الإجتماعي .

هذا السلوك هو مظهر من مظاهر الفقر الفكري الذي يقود إلى الدفاع الأعمى عمّا يعتبرون مرجعيات عقائدية أ فكرية أو سياسية، رغم تسليم الجميع بأن الحياة الاجتماعية في تغير مستمر و في ارتباط وثيق بالأوضاع الاقتصادية و التقدم العلمي .


إن «الزعماء « في فترة حكمهم أو نضالهم يسجل لهم التاريخ ما قدموه لشعوبهم أو ضد شعوبهم ،و لكن سياسيي اليوم يصرّون على أن ينسبوا لأنفسهم ما حققّه « سلفهم الصالح» ولكن لا يقبلون نسبة أي سوء لهذا السلف، و ينخرطون في سجال وجدل و معارك حامية الوطيس لإثبات مآثرهم و الدفاع عن «اعتبارهم» .

هذه المعارك التي تنازع الأوهام لا تغير في الواقع شيئا في اتجاه التقدّم ، لأنها لا تتناول الإشكاليات المطروحة و سبل معالجتها بحلول عملية آنية سواء كان ذلك لمجابهة الأزمة الإقتصادية الّتي تعيشها البلاد أو لمجابهة فيروس كورنا الوباء الّذي عرى كل الأعوار.

إن التشبث بالزعامات و المرجعيات ، كان سببا لاستفحال الكسل الذهني و لضيق الأفق . كل المهاترات كشفت لعموم الناس أن الأحزاب السياسية الّتي بشرتهم بتغيير أحوالهم نحو الأفضل فشلت في إيجاد البديل الكفيل بإقناعهم بأنها بالفعل قادرة على ترجمة ما وعدت به على أرض الواقع ، ولذلك لم تعد أغلبية واسعة من الفئات الشعبية ، مستعدّة لسماع أي شيء مهما كان مأتاه.

من هنا يمكن أن نفهم لماذا كان لوقع شعار «الشعب يريد» وقعا سحريا ، فانخرطت أغلبية واسعة من الناخبين في دعم سعيد الّذي تجنب وضع نفسه في زاوية مرجعية يحاسب عليها ،و ترك نفسه في حل من كل القوالب ، و لكن احتفظ لنفسه بهوامش التأقلم مع المستجدات بالكيفية الّتي تتراءى له ، بمقولة السعي الدّائم لمجابهة كل من يقف ضد «إرادة الشعب» .
لهذا السبب يخطأ من يعتقد أنه سيحصد كسبا سياسيا بالاكتفاء برفع راية معارضة سعيد، كما يخطأ من يعتقد أنه سيستجلب المؤيدين والموالين له أو لحزبه بغير توخي الواقعية الإجتماعية في خطابه و أعماله ،و هو منهج كسب منه حزب قلب تونس و سجل به رئيس الحكومة إلياس الفخفاح أولى نقاطه .

إن «الجعجعة» لم تعد تنفع ، و أن معارك «المرجعيات» لم تعد تغر ، بل أصبحت تنفّر، لذلك تحتاج تونس في هذا الظرف الصعب إلى من هو قادر على تقديم المبادرات العملية بالنجاعة اللاّزمة و تقديم الحلول الّتي يلمسها المواطن بفعل اليوم الخلاق . كل هذا يتطلب تفكيرا جديدا ينخرط فيه الجميع ، يقطع مع فيروسات التشرذم و الانتظارية و الكسل و التواكل ورمي المسؤولية على الآخر ، والإستهتار والتهاون وعدم تقدير المخاطر ،والتعنت والتقليل من شأن العلم و الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة ... كل ذلك على وقع مخاوف غد قريب صعب، وغد بعيد سيكون في كل الأحوال بوجه آخر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا