على وقع ظاهرة الاحتكار والمضاربة: طبقوا القانون...فقط لا غير ...

إعتبر رئيس الجمهورية في كلمته أمس الثلاثاء 31 مارس 2020 عمليات المضاربة في المواد الغذائية و الترفيع في الأسعار بجرائم خطيرة

و رفّع في سقف التوصيف وإعتبرها جرائم حرب و طالب بإصدار نصوص جزائية للضرب بقوة على أيادي المضاربين بقوت الناس. هذا التوصيف الّذي له ضوابطه ، جاء في قالب صرخة فزع متشنجة ،بحكم الظروف الإستثنائية المحفوفة بمخاطر» فيروس كورونا» ، الّتي يستغلها العديد من التجار والمحتكرين للإستثراء على حساب حاجة المواطنين الّذين يضطرون إلى شراء مختلف البضائع و المنتجات بأسعار مرتفعة جدّا.

هذه الحالة ليست خاصّة بما نعيشه اليوم بل تنسحب على ما يمكن أن نعيشه في فترات مختلفة ومنها المناسبات الّتي يرتفع فيها الاستهلاك و تزداد فيها الحاجة ،عندما يتعلّق الأمر بمواد مفقودة أو نادرة سواء بسبب نقص في العرض لقلّة المنتوج، أو إفتعالا من المحتكرين الّذين يتعمّدون حجب بعض المواد من الأسواق.
كل هذه المسائل تناولها المشرع التونسي و لم يهملها كما يمكن أن يفهم من ردود الفعل المختلفة، و هذا ما يعني أن المنظومة القانونية ليست في حاجة إلى إضافة جرائم حرب للقضاء على المضاربة أو الاحتكار .

لذلك يكفي في مثل هذه الحالات الطارئة أو الاستثنائية تطبيق النصوص القانونية النافذة، لأن المهم ليس في شدّة العقاب الّذي نتصوّره و إنّما في تنبيه المخالف أو المجرم إلى أن ما يرتكبه من أفعال موجب للسجن أي حرمانه من حريته ، ثم يأتي الردع و تطبيق القانون حتى ولو كانت العقوبة لا تتجاوز 16 يوما سجنا .
إن القانون التونسي لم يغفل الجرائم والمخالفات الاقتصادية سواء في قانون المنافسة و الأسعار لسنة 2015 أو في المجلة الجزائية الّتي لم يستبعد تطبيقها ضمن الأحكام الانتقالية للقانون عدد 36 لسنة 2015 مؤرخ في 15 سبتمبر 2015 المتعلّق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار.

لقد جاء بقسم الجرائم المتعلّقة بالصناعة والتجارة من المجلة الجزائية، أن كل من يحدث أو يحاول أن يحدث مباشرة أو بواسطة،ترفيعا أو تخفيضا مصطنعا في أسعار المواد الغذائية أو البضائع أو الأشياء العامة أو الخاصة ، يُعاقبُ بالسجن من شهرين إلى عامين وبخطية من أربعمائة وثمانين دينارا إلى أربعة وعشرين ألف دينارا في صور محدّدة ، ويُحكمُ زيادة على ذلك بمنع الإقامة لمدة لا تقلّ عن عامين ولا تتجاوز خمسة أعوام حسبما ما جاء في الفصل 139 من القانون الجزائي. كما نص الفصل 140 من نفس القانون على أن «يكون العقاب بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام وبخطية من ألف ومائتي دينار إلى ستة وثلاثين ألف دينار إذا تعلّق الترفيع أو التخفيض أو محاولة ذلك بحبوب أو دقيق أو مواد غذائية أو مشروبات أو محروقات أو أسمدة. ويُرفعُ العقاب إلى السجن مدة خمسة أعوام وخطية قدرها ثمانية وأربعون ألف دينار إذا لم تكن المواد الغذائية أو البضائع داخلة في الدائرة الاعتيادية لنشاط المخالف.»و في هذه الحالة «يجوز للمحكمة زيادة على ذلك القضاء بمنع الإقامة لمدة لا تقل عن خمسة أعوام ولا تتجاوز عشرة أعوام».
كما نص الفصل 141 من القانون الجزائي على أنه للمحكمة في جميع الصور المنصوص عليها بالفصلين 139 و140 المذكورة آنفا حرمان الجناة من حقوقهم السياسية والمدنية المبيّنة بالفصل 5 من نفس القانون .

لا يمكن أن نتناول كل التفاصيل و لكن أردنا الإشارة إلى أن النصوص الزجرية موجودة و يكون للقضاء تقدير ظروف وملابسات إرتكاب الجرائم المذكورة ، خاصة و أنه في جميع الصور المنصوص عليها بالفصلين 139 و140 لا يمكن للمحكمة أن تتعهّد بالنظر في القضية إلاّ بمقتضى إحالة من قاضي التحقيق على معنى الفقرة الرابعة من الفصل 106 من مجلة الإجراءات الجزائية، كما يكون للمحاكم المتعهدة توقيع العقاب الّذي تراه مناسبا و طبق تقديرها لخطورة الأفعال في الظرف والزمن .

إلى جانب القانون الجزائي ، لم يقتصر القانون عدد 36 لسنة 2015 المؤرخ في 15 سبتمبر 2015 المتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار، على العقوبات المالية و الإجراءات الإدارية و الإجراءات الصلحية في بعض الصور ،بل تضمن أيضا عقوبات سالبة للحرية كالتي نص عليها الفصل 49 الذي جاء فيه أنه بقطع النظر عن العقوبات المنصوص عليها بالتشريع الجاري به العمل، يعاقب بالسجن من شهر إلى عام وبخطية من 1000 دينار إلى 100.000 دينار أو بإحدى العقوبتين كل من رفّع أو خفّض بصفة وهمية أو حاول ذلك في سعر بيع منتوج أو خدمات باستعمال أية وسيلة كانت أو قام بمزايدات قصد التأثير على المستوى الطبيعي للأسعار و كل من مسك مخزونات لغرض بيعها أو المضاربة فيها دون أن

تتوفر فيه شروط ممارسة التجارة المنصوص عليها بالتشريع الجاري به العمل، و كل من قام بعمليات تجارية باعتماد وسائل ملتوية كتحرير فواتير غير مطابقة للواقع أو فواتير مجاملة و كل من مسك منتوجات لا تدخل في نطاق النشاط المهني المصرح بهو كل من قام بمسك أو استعمال أو ترويج منتوجات مجهولة المصدر و كل من قام بإخفاء بضاعة أسعارها حرة لم يزوّد بها حرفاءه أو مغازاته أو فضاءات العرض للعموم. وينص أيضا الفصل 52 من قانون 2015 على جريمة الترفيع غير القانوني في الأسعار ومن أجل تطبيق أسعار غير قانونية وذلك بتوقيع عقاب بالسجن من 16 يوما إلى ثلاثة أشهر وبخطية من 300 دينار إلى 30.000 دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
كما نص على العقاب بالسجن من شهر إلى عام وبخطية من 2000 دينار إلى 100.000 دينار أو بإحدى العقوبتين عند الإخلال بتراتيب الدعم .

الجدير بالملاحظة في هذا المضمار ، أن قانون 2015 لم يستبعد تطبيق القانون الجزائي بل إستعمل المشرع في أكثر من نص عبارات» بقطع النظر عن العقوبات المنصوص عليها بالتشريع الجاري به العمل..» يقع تطبيق النصوص المضمّنة به ، و كان ذلك في نطاق تنظيم المنافسة والأسعار، و هو ما يعني أن هذا القانون شرّع للتنظيم أكثر منه لزجر الجرائم الإقتصادية الّتي تمس من النظام العام الّتي ترك حكمها للقانون الجزائي .

و لو أن هناك من يرى أن قانون 2015 هو نص خاص و هو المنطبق ،فإن النص الخاص الّذي يحدد الاتجار في مواد الحبوب أو الدقيق أو المواد الغذائية أو المشروبات أو المحروقات أو الأسمدة هو الفصل 140 من القانون الجزائي وليس قانون 2015 ، و فضلا على ذلك فإن الظرف الطارئ وضرورة مجابهة الظاهرة يقتضي تطبيق النصوص الّتي هي أكثر دقّة .

إذن لسنا في حالة فراغ تشريعي و لسنا في حالة حرب بالمفهوم التقليدي و لسنا إزاء الجرائم المركبة فيها ،الّتي ينظمها القانون الدّاخلي و المعاهدات و القوانين الدولية ، و إنما نحلة طارئة تقتضي الحزم والإنضباط و تطبيق القانون . لكن لا نقول هذا للتقليل من خطورة الإحتكار والمضاربة ، و هي جرائم خطيرة لم يقلل المشرع التونسي من شأنها لذلك نص على إمكانية إبعاد المجرم و حرمانه من حقوقه المدنية كما هو الحال في بعض جرائم الإعتداء على الأمن الداخلي او الخارجي المنصوص عليها بالمجلة الجزائية . و لم يعد المطلوب غير تطبيق القانون .فقط لا غير، والإلتفات إلى ما هو عاجل من نصوص أخرى تخص الظرف الطارئ بحق الّذي نحن فيه ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا