تونس والحرب على انتشار فيروس الكورونا: في ضرورة المساندة النقدية لحكومة الفخفاخ

يحصل الآن في تونس ما كان متوقعا منذ اسبوع على الاقل: التمدد الافقي والعمودي لعدوى فيروس كورونا

الذي اصاب الى حد اخر الارقام الرسمية 89 شخصا وتسبب في ثلاثة وفايات.. وكما بينا ذلك في اكثر من مناسبة فان العدوى الحقيقية ارفع من هذا الرقم ولذلك لم يكن امام بلادنا من خيار امام فيروس لا يملك العالم اليوم ازاءه لا لقاحا ولا دواء الا ان نلجأ الى الحجر الصحي الشامل وأن نقلص الى الاقصى من حركة الاشخاص وتنقلهم مع اعتماد ارفع درجات الحذر والتوقي لمنع تفاقم العدوى به حتى داخل العائلة الواحدة نفسها..

لا نريد ان نعود الى خطاب رئيس الجمهورية الجمعة الماضي والذي اعلن فيه قرار الحجر الصحي الشامل ببعض الارتباك والكثير من الغموض ولا كذلك الى المناطق الرمادية الكثيرة الواردة في خطاب رئيس الحكومة في اليوم الذي يليه حيث فصل فيه جملة من الاجراءات الهامة رغم ابقائه على نوع من الغموض فيما يتعلق بجملة من النشاطات الاقتصادية للحرفيين والتجار والعمال العرضيين وعمال القطاع الفلاحي كذلك..

ان الانصاف يقودنا الى الاقرار بان الظروف التي تمر بها البلاد لا سابق لها في تاريخنا المنظور وانها تتطلب تأقلما جذريا معها غير يسير بالمّرة وان الدولة التونسية قد اخذت القرار السليم دون تأخير يذكر، وان الجهد الوطني بتخصيص 2.5 مليار دينار هام جدا فهو يمثل اكثر من 5% من ميزانية الدولة واكثر من 2% من الناتج الاجمالي المحلي وقد تضطر الدولة التونسية الى تخصيص مبالغ اضافية لو تواصلت فترة انتشار الفيروس ولم لم يلتزم كل المواطنين وبصفة جدية وكاملة بالحجر الصحي الشامل الذي يشمل سلاحنا الوحيد للحد من انتشار هذه العدورى.

نحن في حرب غير مرئية ضد عدو لا نملك حياله الا السياسات الدفاعية الوقائية ولا نعلم فترة هجومه على العالم وذروة انتشاره ومتى تجد المخابر الدولية العلاجات الملائمة له. والحرب هذه تحتاج في تونس الى قيادة موحدة وسياسات عمومية نشيطة والى انخراط شعبي ومواطني كلي ولذلك نرى اننا لن نربح هذه الحرب دون قيادة موحدة ننتقدها ولاشك ونشير كلنا الى مواطن الخلل في خططها واستراتيجياتها. ولكننا نثق فيها في نفس الوقت ونقرضها قرضا حسنا ونقول بانها مجندة-وهي فعلا كذلك- لتجنيب البلاد الأسوإ .

لا ينبغي ان يصيبنا الرعب فعدد الاصابات سوف يتجاوز عتبة المئة اليوم او غدا على الاقل وسوف يتجاوز عتبة الالف خلال شهر افريل وسوف يرتفع عدد الموتى الى العشرات وربما المئات، ونحن لا نملك منع هذا التطور ولكننا نملك التحكم في الوتيرة والتقليص التدريجي من العدوى الى القضاء عليها لو احترم الجميع بلا استثناء القواعد الصارمة للحجر الصحي الشامل في المؤسسات التي ستبقى تشتغل لتأمين المرافق العمومية الاساسية وفي الشارع والمتاجر وخاصة في الاحياء والمنازل اذ هي موطن الخطر الاساسي اليوم.

هناك عدد متزايد من التونسيين الشاعرين بخطر هذا الوباء والمتخذين لكل اجراءات العزل الاجتماعية والصحية الضرورية ولكن هناك من مواطنينا الى اليوم من مازال يستهتر بهذه القواعد الضرورية.

لا نريد في هذه الحرب خصومات سياسية زائفة كما لا ندعو الى وحدة اصطناعية عمياء، بل نريد توحيدا واعيا ومساندة نقدية لحكومة تونس ولكل هياكل الدولة ولا نرى من فائدة كبرى من جدل محتمل حول دعوة رئيس الحكومة مجلس نواب الشعب التصويت على قانون يسمح له بإصدار مراسيم على امتدا شهرين وفق الفصل 70 من الدستور.
فلو اعتبر الياس الفخفاخ انه من الضروري بالنسبة لحسن سير دواليب الدولة ولسرعة مقاومة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والامنية ان يمكن من هذا بصفة وقتية فلا فائدة تذكر من مجادلته في هذا. لا بدّ من ان نعطي للسلطة التنفيذية كل امكانيات الفعل، في ظل احترام القانون والدستور، دون ان يعني ذلك باي حال من الاحوال التقليل من السلطة التشريعية او تهميشتها .

حربنا اليوم ضد هذا الوباء تدخل في منعرج هام نهدف من خلاله الى حماية الارواح وتمكين منظومتنا الصحية من التعامل الجيد مع هذا الوضع وكذلك حماية كل نسيجنا الاقتصادي من عامليين في القطاعين العام والخاص وحرفيين وتجار ومهن حرة وعمال عرضيين ومؤسسات بكل مستوياتها حتى لا نخسر في زمن المقاومة الصحية كل مقومات حياتنا الاقتصادية والاجتماعية.

بعد مرور هذا الوباء وعودة الحياة تدريجيا الى مداراتها الطبيعية سيحين الوقت من جديد للتقييمات المختلفة وللخصومات السياسية وسوف نرى حينها هل تصرفت حكومة الفخفاخ وفق المتاح وطنيا ام لا .... اما اليوم فنحن في حرب واضعاف القيادة هو الباب الاكبر نحو الهزيمة.
تفسير الرسم البياني:

إلى حدّ اليوم اعتمدنا على ما يسمى في الرياضيات بـ (Le repère orthonormé) حيث تتساوى وحدات الخط الأفقي (الأيام) بوحدات الخط العمودي (عدد الاصابات) لكي تظهر حقيقة تطور الحالة الوبائية، ولكن في هذا المستوى تصبح المواصلة بنفس الرسم شبه مستحيلة مع الارتفاع التصاعدي للاصابات فسوف تتحول في الخط العمودي من الآحاد (0 - 1 - 2 - 3...) الى العشرات (30-20-10-...) وسيبدو للقارئ بأن شكل الرسم قد تغير كثيرا ولكن ليعلم أننا عمدنا الى طريقة أخري في الاحتساب وأن نفس الاتجاه العام الأول هو الذي مازال مستمرا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا