هل نحن على استعداد لمواجهة تداعيات الأزمة؟

هل كان على هذه الحكومة الجديدة أن تمرّ بهذا الاختبار حتى نتمكّن من اكتشاف الوزراء الجدد وتقييم أدائهم في انتظار مساءلتهم

ومحاسبة من قصّر منهم أو من لم يكن في مستوى التكليف ؟

لقد مكّنتنا هذه المحنة من مواجهة مجموعة من «الحقائق» أوّلها: ما يتعلّق بإدارة الأزمة على المستوى السياسي. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الشعوب إلى قيادة مسوؤلة تتعالى على الخصومات وكلّ ما من شأنه أن يوحي بالصراع حول المصالح والامتيازات والأيديولوجيات..، أو على الأقلّ تتفق على تأجيلها إلى حين تطويق الخطر، وجدنا تنافسا بين أقطاب السلطة تجلّى في الارتباك على مستوى اتّخاذ القرارات، والميل نحو المعاينة، والتريّث بدل اتّخاذ قرارات جريئة تستشرف القادم. وثانيها: ظاهرة الخطابات المتضاربة الصادرة عن جهات يُفترض أنّها مسؤولة سياسيّا، ولكن وجدناها معبّرة عن حالة انفلات تجلّت في تدوينات وتصريحات تنتقد أو تفنّد أو تكذّب قرارات الحكومة، ... وثالثها: عدم استغلال من هم في أعلى الهرم السياق المفصلي للتموقع من جديد بحيث يتسنّى لهم صناعة نماذج يمكن الاقتداء بها كأن يقرّر الوزراء، وأعضاء الهيئات الدستورية التنازل عن جميع الامتيازات التي يتمتعون بها. ورابعها: ما يتصل بالعجز عن صياغة خطاب سياسيّ إدماجيّ لا تقتصر فيه 'التطمينات' على أرباب الأعمال والأموال والموظفين «الضامنين لاستمرار المنوال الاقتصادي المتوحّش» بل تشمل الفئات التي تجاهلها المسؤولون كالمشرّدين بلا مأوى، وعمّال الحظائر و«البرباشة»، والمعينات المنزليات، والمنتصبين في الطريق العامّ لبيع الخضر والخبز والبيض وغيرهم من المنسيين وغير المرئيين. وممّا لاشكّ كان لأداء المسؤولين انعكاسات على التونسيين إذ تعمّقت أزمة الشكّ وارتفعت الأصوات المندّدة بهذا الارتباك والسياسات «البطيئة» وغير الناجعة.

هل كان علينا أن نعيش أزمة «الكورونا» حتى نكتشف أنماط سلوك التونسيين/ات وطريقة تفاعلهم مع المخاطر التي تهدّد أمنهم الصحيّ وحياتهم؟

إذا كان هذا حال المسؤولين فلا تسأل بعد ذلك عن حالات انفلات «العوام»، وائتمارهم بما تمليه عليهم غريزة البقاء من تلهّف على تجميع مواد الاستهلاك الغذائي وغيرها، واعتداء بعضهم على الممتلكات الخاصّة وعدم انضباط البعض الآخر إلى غير ذلك من المظاهر الدالة على استشراء الفردانية والأنانية، والرغبة في حفظ النفس حتى وإن أدّى ذلك إلى السطو والنهب. ولا يفوتنا في هذا السياق أن نذكّر بارتفاع عدد الجرائم قبيل اندلاع أزمة الكورونا، وتخوّف التونسيين من مخاطر تهدّد أمنهم العامّ(الإرهاب، التهريب...).
هل كان علينا أن نمرّ بهذه التجربة حتى نتبيّن درجة وعي التونسيين ووطنيتهم ومدى قدرتهم على ابتكار أفكار وحلول تجسّد التضامن؟

وقد تجلّى ذلك في مبادرات شبابية للتوعية، وأخرى فردية يتطوّع فيها المرء لأداء خدمات للمعوزين أو يتبرّع بوقته أو سيارته أو بعض ما يملك أو يقدّم حلولا عمليّة تجنّب بعضهم الوقوع فريسة الملل والتأزّم النفسي إلى غير ذلك. ولئن قصّر الفنّانون التونسيون المستقرين في مصر على وجه الخصوص، في التبرّع فإنّ أصحاب بعض المصحّات الخاصّة أو الفنادق أو المساكن الخاصّة كانوا في الموعد ليعبّروا عن حسّ وطنيّ رائع وتضامن محفّز للآخرين.

تثبت هذه المحنة التي نمرّ بها اختلاف التونسيين في التعامل مع الموقف ومفارقتهم لنسق التنميط. فمنهم من تجاوز حالة الهلع إلى 'الانغماس' في السخرية والبحث عن النكتة والملحة والطرفة والإبداع ، ومنهم من تجاوز الاستقطاب الأيديولوجي ليثني عن المجهود الذي يبذله وزير الصحة، ومنهم من يقارن بين تجارب الأمم، ومنهم من يبحث عن تاريخ الكوارث والطاعون، ومنهم من يتطوّع بإرسال الأدعية والرقى والفتاوى الخاصّة بجواز دفن الميت دون تغسيله في زمن الأوبئة، ومنهم من يحرّض على العصيان بالتجمّع في الساحات للدعاء والصلاة...

ومهما اختلفت أشكال التأقلم مع ما تفرضه «لكورونا» من قيود على حرّية الحركة والسلوك، والتفاعل بين الأجساد... فإنّ الفرصة سانحة لإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين: من يملك السلطة ومن يتوجّب عليه الإذعان لأوامر الضبط والرقابة، ولإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة، بين الفرد وثقافة الاستهلاك،...لأنّنا ببساطة لن نعود إلى الوضع الطبيعيّ والعادي الذي كنّا عليه...

هناك زمن «ما قبل الكورونا» وأزمنة «ما بعد الكورونا» فهل نحن على استعداد لمواجهة تداعيات الأزمة على كافة الأصعدة؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا