الإسلاميون والحرب على الإرهاب: خطوة إلى الأمام.. خطوات إلى الوراء ..

أثارت العملية الإرهابية الجبانة التي استهدفت دورية أمنية بالبحيرة قرب السفارة الأمريكية وذهب ضحيتها الرائد الشهيد توفيق الميساوي

جدلا جديدا في الأوساط السياسية والإعلامية وخاصة في مجلس نواب الشعب واتهامات متبادلة بين الاسلامويين (النهضة وائتلاف الكرامة) وخصومهم حتى خلنا أننا عدنا إلى بعض مناخات سنوات حكم الترويكا حيث كانت الحالة الإنكارية هي الطاغية في الصفوف الاسلاموية.
بعض الإسلامويين في الكرامة والنهضة وجدوا خطة دفاعية هجومية جديدة : الإرهاب صناعة استخباراتية يستعملها أعداء الثورة والديمقراطية لضرب تونس، وبالتالي فخصومنا (المنظومة القديمة والمعادون للإسلام السياسي) هم المستفيدون من كل العمليات الإرهابية التي استهدفت تونس خلال هذه العشرية وكما قال القيادي والنائب النهضوي عامر العريض «تبّع الغرزة».
ولعل الهدف من وراء كل هذا هو قلب المعادلة وإخراج التيارات الاسلاموية من الزاوية وحشر خصومهم فيها. الغريب في هذه الوضعية هو الإستراتيجية التي عمدت إليها قيادات نهضوية بهذه الإنكارية الجديدة، اذ من الواضح ان الحجج واهية وأنها سترد بسرعة على أصحابها، فلِمَ الاعتماد عليها مجددا؟!
لقد حاولنا في هذه الصفحة وفي مرات عديدة تبيان الجذور التاريخية للحركات الإرهابية السلفية الجهادية المعولمة وأنها خرجت من رحم الحركات الاخوانية في نهاية الستينات وبداية سبيعنات القرن الماضي في بلدين اثنين وهما مصر وسوريا وكان ذلك لا اختلافا في التوجهات الكبرى لكل التيارات الاخوانية وهي إقامة الحكم الإسلامي تحت شعار «الإسلام هو الحل» و«الإسلام منهج شامل للحياة» ولكن حول وسائل الوصول إلى هذا الهدف ..

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د


منهج التغيير كان ضبابيا في بداية حركة الإخوان مع مؤسسها حسن البنا في نهاية العقد الثالث من القرن الماضي إذ عمدت آنذاك إلى كل وسائل العمل المتاحة من الدعوة في المساجد والفضاءات العامة والعمل الخيري والكشفي وكذلك اللجوء إلى التنظيمات السرية وصولا إلى ما كان يسمى بـ«الجهاز الخاص» أي تنظيم سري مسلح داخل التنظيم بحجة إعداد المجاهدين لتحرير فلسطين، وكان هذا التنظيم مسؤولا على اغتيال رئيس الوزراء المصري النقراشي باشا في نهاية الأربيعنات بحجة انه كان ينوي حلّ تنظيم الإخوان ،ثم تم إحياء هذا التنظيم سنة 1965 تحت الإشراف الروحي لمنظر الإخوان آنذاك سيد قطب والذي طور فكرة «الحاكمية» التي نظر لها مؤسس الجماعة الإسلامية الباكستانية أبو الأعلى المودودي ليجعل منها النواة الفكرية والعقائدية لكل التنظيمات الجهادية فأصبح كتابه الأخير «معالم في الطريق» بمثابة إنجيل التيارات الاسلاموية التكفيرية الراديكالية.
وخلاصة الفكرة أن الحكام الذين يفرقون بين الشعائر ونظم الحكم هم كافرون بل وأرباب من دون الله لأنهم ينازعونه الحاكمية التي اختص بها وبالتالي يصبح جهادهم – أي قتالهم- مشروعا هذا إن لم يكن فرض عين.. بالطبع لا نجد هذه العبارات بمثل هذا الوضوح في كتاب «معالم في الطريق» ولكن هذا هو المنهج وهكذا فهمته التيارات الراديكالية داخل الإخوان والتي انشقت عن الجماعة وأسست للتنظيمات الجهادية الأولى في مصر.
نفس الأمر حصل في سوريا حيث أسس مروان حديد في نفس الوقت تقريبا «الطليعة المقاتلة» كما كان لكتيب «الفريضة الغائبة» لصاحبه عبد السلام فرج الدور الأساسي لبلورة الفكر السلفي الجهادي لأننا هنا خرجنا من أدبيات سيد قطب وأبو الأعلى المودودي للنهل مباشرة من مؤلفات ابن تيمية وفتواه الشهيرة في جهاد المغول وابن تيمية، كما هو معلوم هو الأب الروحي للسلفية الوهابية ومن هنا أخذت الحركات الجهادية المنشقة عن تنظيم الاخوان تنهل من المصادر السلفية الوهابية لتحدد معالم تصورها العقائدي في ما تسميه بتوحيد الألوهية والربوبية والصفات مردفة له توحيد الحاكمية الشبيه جدا عند الوهابية بتوحيد الربوبية وكذلك مفهوم الولاء والبراء أي الولاء لجماعة المسلمين والبراء من كل الجماعات والملل الأخرى وأضافت له الحركات الجهادية توظيفا جديدا لمفهوم جهاد الدفع (اي الحرب الدفاعية) باعتبار أن الأمة الإسلامية واقعة تحت غزو الصهيومسيحية ومفهوم العدو القريب (الحاكم المحلي الكافر) والعدو البعيد (أمريكا) وأولوية جهاد العدو البعيد لأنه هو الداعم الأساسي للعدو القريب..
ثم انتقلنا في مرحلة ثانية من تنظيمات محلية في مصر وسوريا أساسا الى تنظيم معولم: القاعدة، وبرقعة عمل عالمية.. وقد استفادت القاعدة ايما استفادة من حرب أفغانستان بتمويلات سعودية ضخمة وتدريبات المخابرات الباكستانية مسنودة من المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وبأحدث أنواع الأسلحة وأشدها فتكا بالقوات السوفياتية وكان هذا «الجهاد» آنذاك يسمى بالجهاد الطيّب الحسن، ولكن أدبيات المؤسس الأول لتنظيم القاعدة الفلسطيني الاخواني عبد الله عزام قبل مقتله في ظروف غامضة تقول أن عدونا القادم بعد الاتحاد السوفياتي هو الولايات المتحدة الأمريكية، كان هذا في نهاية ثمانينات القرن الماضي.
إذن الحركات السلفية الجهادية المعولمة خرجت من رحم الإسلام السياسي ومن الوهابية الراديكالية في ذات الوقت ثم حددت عقيدة واستراتيجيات عمل خاصة بها منذ عقود ولكن هجمات 11 سبتمبر 2001 جعلت منها التيارات الأكثر جاذبية داخل حركات الإسلام السياسي وبقيت كل الحركات الاخوانية المحلية في حرج من هذه الشعبية المتزايدة آنذاك ولذلك لم تجرؤ على نقدها بصفة هامة إلا عندما عمدت القاعدة في العشرية الماضية إلى استهداف ما تسميه بالعدو القريب أي النظم الحاكمة في البلدان العربية أساسا واستهدفت المصالح الأمريكية والسياح الأجانب وقوات الأمن والجيش في السعودية واليمن والمغرب وتونس ومصر وغيرها.. ثم مع ظهور التيارات الأكثر تطرفا (الزرقاوي في العراق مباشرة بعد الاحتلال الأمريكي) واستهدافها الفظيع للمواطنين الشيعة أصبح هنالك تسابق وتلاحق في العمليات الدموية إلى أن نشأ تنظيم داعش في العشرية الثانية لهذا القرن مستندا الى تنظيرات وممارسات أنصار الزرقاوي متوهمين أن عصر «التمكين» قد بدأ وأن شروط «الخلافة» قائمة وان أبو بكر البغدادي هو «خليفة» المسلمين الجديد..
ونعود إلى السؤال الأول: لماذا تجد القيادات الاسلاموية حرجا في التبرؤ بوضوح لا فقط من هذه التنظيمات بل ومن مناطق التماس الفكري والعقائدي معها؟ لماذا لا نجد نهضاويا واحدا يقول أن كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب هو أصل الداء وان القول بالحاكمية هو الذي شرع للتكفير وللعنف الدموي؟ ببساطة لأنهم يتصورون – عن خطإ أو صواب – أن جزءا من المتعاطين معهم لا يقبلون بهذا الكلام وان سيد قطب والمودودي من المحدثين وابن تيمية من القدامى يحظون بهالة كبيرة لا يجرؤ احد على المساس بها.. فتراهم يكتفون بالتنديد بالإرهاب ولكن دون الجرأة على وضع الإصبع على مواطن الداء : الفكر الاخواني المتشدد وعلى أصل الداء : القول بالجمع بين الدين والسياسة ومواصلة الاعتقاد بأن الإسلام نظام شامل للحياة كما كان يقول سيد قطب.
ما حصل في مجلس نواب الشعب يوم أول أمس يكشف بوضوح أن مسألة «المراجعات» عند العديد من القيادات النهضوية مازالت سطحية لا تتجاوز البعد السياسوي الذرائعي وأن مراجعة فكرية شاملة لتبني فلسفي عميق للديمقراطية مازالت لم تبدأ في الجماعة وأنها، إلى حدّ الآن ،محصورة عند بعض الأفراد في الصفوف القيادية وليست اختيارا فكريا جديا للحركة الإسلامية اليوم.
ألم يقل القدامى الحيلة في ترك الحيل؟ فاللعب على الحبلين معا يضيع معه التوازن والهوية الحقيقية للتنظيمات وللأفكار..
لست من القائلين بجمود الأفراد أو التنظيمات أو الأفكار ولكن التطور الفعلي هو عمل فكري عميق وخلاصات سياسية شجاعة لا شعارات يتباهى بها في المحافل العامة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا