«نقاش» سريالي في مجلس نواب الشعب: «العتبة» التي تخفي الغابة !!

«النقاش» الذي حصل يوم أمس بمجلس نواب الشعب حول المصادقة -من عدمها– على مشروع تقدمت به مجموعة من نواب حركة النهضة

حول تنقيح القانون الانتخابي بإقحام عتبة بـ%5 في احتساب المقاعد في الانتخابات التشريعية وما يتبع ذلك من تمويل عمومي قد تجاوز كل الحدود الممكنة للسريالية...
والغريب في الأمر أن «جهة المبادرة» أي النواب الذين قدموا هذا المشروع، عبرت منذ البداية عن اقتناعها بإرجاع هذا المشروع إلى اللجنة المعنية (لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية) وذلك بعد اتفاق بعض رؤساء الكتل على أن موجب الاستعجال الأولي (احتمال قيام انتخابات تشريعية سابقة لأوانها لو لم تمنح الثقة لحكومة الفخفاخ) لم يعد قائما. ولكن حصل ما كان في الحسبان دوما في هذا البرلمان صراع مفتوح بين كتلتي الحزب الدستوري الحر وائتلاف الكرامة مع تصعيد جديد، إلى حدّ ما، وخطير لوّح به بعض نواب الائتلاف بالرشارة إلى تخوم التكفير وهذا ما يجرمه الدستور بكل وضوح في فصله السادس ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحدّ بل شاهدنا يوما كاملا من نقاش سريالي لمشروع قانون يعلم الجميع انه سيعاد إلى لجنة النظام الداخلي !!


غير أن هذه الجلسة كشفت مسألة على غاية من الأهمية وهي غياب كلي للحد الأدنى من التضامن بين أحزاب الحكم لا فقط في مسألة «العتبة» ولكن خاصة في تقييمهم للمناخ السياسي الذي وردت فيه هذه المبادرة..
لقد شاهدنا على امتداد ساعات طويلة اتهامات متبادلة بين مكونات الحكومة الحالية، اتهامات أدناها يتعلق بالمناورة وبالحسابات السياسوية الضيقة وأقصاها الفساد والإجرام الانتخابي بالطبع.
نحن لا نتحدث عن التلاسن في البداية والنهاية بين الدستوري الحر وائتلاف الكرامة ولكن بالأساس بين التيار والشعب من جهة والنهضة من جهة أخرى ..لم نكن أمام خلاف في تصور إصلاح النظام الانتخابي وبم نبدأ وأي أصلاح نريد ،فهذا معقول ومتوقع حتى داخل نفس الحزب والكتلة، ولكن انفجرت يوم أمس كل الضغائن التي كانت كامنة أو ظاهرة بين مختلف مكونات الائتلاف الحكومي وخاصة بين الكتلة الديمقراطية (التيار والشعب) والنهضة بما يوحي أن التعايش بين هذه الأحزاب الثلاثة، وهي المكونات الرئيسية لحكومة الفخفاخ، سيكون صعبا للغاية خاصة في المسائل الإستراتيجية ذات البعد السياسي الهام.
المشهد البرلماني استثنائي : استفزازات متبادلة بين الدستوري الحر من جهة والنهضة وائتلاف الكرامة من جهة أخرى وتراشق بين أهم مكونات ائتلاف الحكم : النهضة من جهة والتيار والشعب من جهة أخرى.
والنتيجة من كل هذا انه لم يحصل نقاش في العمق حول إصلاح المنظومة الانتخابية سواء تعلق الأمر بالمناخ العام للانتخابات (قانون الأحزاب وقانون الجمعيات وقانون لتنظيم عمليات سبر الآراء ومراجعة بعض الهنات في قوانين وصلاحيات هيئة الانتخابات وهيئة الاتصال السمعي البصري) وكذلك في مضمون القانون الانتخابي بدءا بنظام الاقتراع وصولا إلى القدرة العملية على ردع جدي لكل المخالفات ولاسيما الخطيرة منها.
يوم أمس كان فرصة مهدورة لمناقشة مسألة هامة لا تتعلق فقط بالعتبة ولكن أيضا بتقييمنا لكامل المسار الانتخابي الذي انطلق مع المجلس التأسيسي وانتهى اليوم مع البرلمان الحالي.
لاشك أننا نحتاج إلى إصلاح شامل للمنظومة الانتخابية برمتها ولكن دون إنكار ما حصل ودون اتهام هذا المسار بكونه مزورا في جوهره حتى وان احترم الشكليات في مظهره.
لا يمكن أن نتقدم في العمود الفقري للمسار الديمقراطي إن لم تكن عملية تراكمية تصلح الأخطاء وتبني على الايجابيات، وهي كثيرة، اما هدم ما تم بناؤه لتسجيل هدف ضدّ خصم ما فذلك يسيء إلى الديمقراطية ويضعف ثقة المواطنين فيها ومسارنا مازال غضا لم يصلب عوده.
لسنا ندري هل أن هذا البرلمان وبالصفة التي تشتغل به كتله الآن قادر على تمرير القوانين الإصلاحية الضرورية للبلاد التي تحتاج إلى رصانة وجرأة في ذات الوقت..
العتبة كانت يوم أمس شجرة ولكنها لم تكن قادرة على إخفاء غابة الصراعات التي تعصف بالجميع اليوم وخاصة بالائتلاف الحكومي الناشئ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا