السياسة والجدل حول اللغة

مجالات الصراع حول السلطة متعدّدة تتمظهر في السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والدينيّ والثقافيّ، ونجد لها أثرا في المعارك

التي تُخاض تارة باسم الدفاع عن المقدّس أو الدولة أو الهوّية... وباسم التطوّر والمدنيّة والحداثة طورا آخر. ولكن قلّما انتبه التونسيون إلى الصراع الذي يُخاض منذ انطلاق مسار التحوّل الديمقراطيّ حول لغة التواصل في فضاءات مختلفة كالمجلس التأسيسيّ ومجلس الشعب، وفي وسائل الإعلام وآخرها المناظرات السياسية فضلا عن لغة صياغة الخطاب السياسيّ، والبيانات الصادرة عن رئاسة الجمهوريّة وغيرها.

إنّ موضوع العلاقة بين الفصحى واللهجة التونسيّة من جهة، والفصحى واللغات الأعجمية ،من جهة أخرى من أهمّ المواضيع التي توضّح الصلة بين السلطة واللغة، ودور قوى التغيير في إحداث الإرباك والخلخلة... ولا بدّ أن نتذّكر في هذا السياق كيف أراد أغلب نوّاب حزب النهضة فرض اللغة العربية، بدلالاتها الرمزيّة وأبعادها الهووية، لغة للنقاش داخل المجلس التأسيسيّ، وكيف كانت ردود الفعل تجاه تونسي/تونسيات المهجر اللذين وجدوا أنفسهم في مأزق وفي موضع سخرية قُصد منه إبراز التفوّق اللغويّ في مرحلة بدا فيها «عرض الذات» أوّل خطوة للتموقع السياسيّ التسلّطيّ. وعلينا أن نتذكّر أيضا كيف حُسم النزاع بالاعتراف بإمكانية «التعايش» اللغويّ فبدا تجاور الفصحى مع اللهجة التونسية في مرحلة لاحقة ، مقبولا في التواصل السياسيّ.

ولا يمكن أن نتغاضى عن محاولات تجاوز واقع التهميش و«الحقرة» على المستوى اللغوي والتراتبية التفاضلية بين اللهجات إذ سرعان ما فُرضت ممارسة لهجات كان التونسيّ/ة يجد حرجا في الإعلان عنها حتى لا يُصنّف ضمن فئة «ما وراء البلايك» و«Zéro 8» فصار النائب يتحدّث بكلّ أريحية عن مواقفه وتصوراته «بلغته الأمّ» دون أن يلتجئ إلى وضع قناع «البلدية» و«المتحضرين». والواقع أنّ الجدل حول هيمنة لغة على أخرى ولهجة على أخرى و فرض قواعد اتصالية جديدة في وسائل الإعلام لم يقف عند ذلك الحدّ إذ سرعان ما «فُرض» على المثقفين/ات والجامعيين و«الخبراء» تغيير السجلّ اللغوي والمعجم الاصطلاحي حتى يكسبوا ودّ الشعب ويحتلّوا مرئية تليق بهم. وبين التوفيق بين الفصحى واللهجة المحلية والتحكمّ في العبارات الوافدة والدخيلة صار التفاوض ليغدو الأهمّ هو تبليغ الرسالة. وفي سياق الصراع حول المرجعيات التزم الفرنكوفونيون بقواعد اللعبة، فراحوا يستنجدون باللهجة التونسية كلّما خانتهم العبارة وفي المقابل سعت قيادات إسلامية تأثرت بالأنجلوسكسونيّة زمن المنفى إلى توشية خطابها ببعض العبارات.

وضمن هذا الصراع يتنزّل الجدل اليوم، حول أسباب اختيار رئيس الجمهوريّة استعمال اللغة العربية لغة للتواصل، وإصراره على هذا الاختيار رغم كلّ الانتقادات التي وجّهها الإعلاميون له منذ وصوله إلى السلطة، وكلّ الانتقادات التي وجّهها له أهل اللغة والمدافعون عن صفويتها les puristes. وقد تحوّل النقاش إلى فرصة للتأويل والبحث عن تموقع «سعيد» الأيديولوجي. فهو يتفق في نظر البعض، مع ما يروّج له الإسلاميون من ادعاءات تتهم الزعيم بورقيبة بالاعتداء على اللغة العربية الفصحى وفرض التغريب، وهو في نظر فئة أخرى مناصر للقوميّة، وهو حسب البعض مستوعب لما أتت به دراسات ما بعد الاستعمار من مفاهيم، وهو في نظر البعض الآخر صاحب «نمط لغوي» يتماهى مع روح الثورة، وهو في نظر آخرين «ثوري» خارج عن «النمط الحداثي»...

ولاشكّ عندنا أنّ واقع استعمال اللغة العربية بعد التحوّلات التي عرفها مجتمعنا حريّ بأن يُدرس ذلك أنّه يرتبط بتصوّرات ومواقف يفرضها «المدّ الثوري»، وما ينجم عنه من محاولات لإعادة النظر في تاريخ الدولة المعاصرة وكلّ ما يصاحب هذا الموضوع من جدل حول السياسات اللغويّة التي فرضتها دولة الاستقلال وغيرها من المواضيع. ولكن نرى في ردود الفعل على «ثبات سعيد» على موقفه من لغة التواصل ما يشير إلى ديناميكية جديدة بين السلطة والسلطة المضادة، وبين السياسي والمبدع تجلّت في نصّ بلقاسم بن جابر: «في ولاية الأمير أبي الدهماء قيس بن أبي سعيد». جعل الله زمنه سعدا وخيرا ولله الأمر من قبل ومن بعد... «جعل الله زمنه سعدا وخيرا ولله الأمر من قبل ومن بعد».

فهل سيكون «سعيد» محفّزا للمبدعين فنستعيد عصر المقامات؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا