سياسات التمييز الايجابي: في أوهام الحلول الكمية

إن التفاوت الكبير في تنمية مختلف جهات البلاد لا يحتاج إلى كبير تدليل ولهذا وضع الدستور في بابه الأول المتعلق بالمبادئ العامة

فصلا كاملا (الفصل 12) أكد فيه على «سعي الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والتوازن بين الجهات ،استنادا إلى مؤشرات التنمية واعتمادا على مبدإ التمييز الايجابي».

ولكن لو استثنينا قرار حكومة الشاهد باعتماد التمييز الايجابي في التوجيه الجامعي منذ سنتين، والذي بموجبه يتمتع أكثر من 400 متحصل على شهادة الباكالوريا من بنات وأبناء المناطق الداخلية بحصص خاصة في بعض الكليات والمعاهد العليا، لا نجد أي اثر يذكر لسياسات التمييز الايجابي لا على مستوى السياسات العمومية ولا كذلك على مستوى النقاش الوطني العام .

لقد خصص مجلس نواب الشعب عشية يوم أمس جلسته العامة لمناقشة بعض القروض المخصصة للتنمية أو للمؤسسات العمومية في قطاعات وجهات مختلفة وكانت هذه الجلسة فرصة لبعض النواب للحديث مجددا عن المناطق المحرومة وعن ضرورة تفعيل سياسات التمييز الايجابي ولعل أهم فكرة طرحت هي أن تستثمر الدولة في البنية التحتية بصفة كلية،أو شبه كلية،في الجهات الداخلية لمدة سنوات عديدة كما فعلت ذلك على امتداد عقود في الجهات الساحلية .

أي أن التمييز الايجابي يتحقق بتوجيه الاستثمار العمومي بصفة شبه كلية لهذه الولايات الخمس عشرة(4 ولايات الشمال الغربي و3 ولايات الوسط الغربي و6 ولايات الجنوب تضاف إليها ولايتا زغوان والمهدية (؟)) وأننا بهذا سوف نحقق المبتغى من التمييز الايجابي المنصوص عليه بالدستور ..

بداية نقول هنا بأننا لسنا أمام رأي فردي بل إن هذه النظرة الكمية هي الطاغية عند الغالبية الساحقة من المؤمنين فعلا بالتمييز الايجابي ..

ولكن السؤال الأساسي الذي لا يطرحه احد هو التالي :

لو فرضنا أن الدولة ستوجه جلّ استثماراتها في البنية التحتية للمناطق الداخلية وان تمتد هذه السياسة على عقد من الزمن مثلا فهل سنحقق بذلك التمييز الايجابي الذي نحلم به جميعا ؟

لابد أن نقول منذ البداية بأنه لن توجد أية حكومة بإمكانها حرمان الولايات الساحلية التسع المقصودة وهي ولايات بنزرت ونابل وتونس وبن عروس وأريانة ومنوبة وسوسة والمنستير وصفاقس من تعهد بنيتها التحتية ومن تجديدها ومن الإنفاق عليها على امتداد عقد كامل من الزمن،فهذا عبث لن يستفيد منه أحد بل سيجعلنا جميعا نتقاسم الفقر وسوء الخدمات العامة فقط لا غير ..

ثم على افتراض القدرة على توجيه %70 أو %80 من الاستثمارات العمومية إلى الولايات الخمس عشرة المذكورة فهل سيحد هذا من التفاوت بينها وبين الولايات الساحلية ؟ الجواب ببساطة لا وذلك لأن الدولة لا يمكنها أن تفرض على الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي مواطن نشاطه ثم إن تنوع النسيج الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والإداري والجامعي في المناطق الساحلية وخاصة في تونس الكبرى سيجعل من نسق نمو هذه الولايات الساحلية دوما ارفع من الولايات الداخلية بل وقد يحصل انجذاب اكبر للجهات الساحلية من قبل الفاعلين الاقتصاديين في الجهات الداخلية .

التمييز الايجابي يحتاج بالطبع إلى ضخ استثمارات عمومية وخاصة ضخمة في المناطق الداخلية،ولكن لو قصرنا نظرنا فقط على الجوانب الكمية (أي حجم الاستثمار أو نسبته إلى عدد السكان) نكون قد أخطانا المرمى..

الغاية الإستراتيجية من التمييز الايجابي حسب نظرنا هي الحد من الفوارق بصفة جوهرية في مناخ العيش وفي محيط الأفراد بما يجعل جاذبية الحياة في المناطق الداخلية تساوي إن لم نقل تفوق جاذبيتها في المناطق الساحلية وذلك لن يتأتى إلا من قلب جذري لوجهة النظر التنموية الكمية .

نقول ونكرر للمرّة المائة إن التمييز الايجابي لا معنى له إن لم يتجسد في سياسات عمومية تخلق مناطق التمييز والذكاء والتفوق المدرسي والعلمي والصناعي والخدماتي في كل مناطق التخوم والتهميش .

لو أردنا في هذه البلاد فعلا أن نتساوى في ظروف العيش كمواطنين فلابد من تصور أن تكون أكبر جامعة للطب في الشمال الغربي أو في الوسط الغربي وأن تكون أفضل المدارس الابتدائية ،أي أفضل المعلمات والمعلمين في المناطق التي تكثر فيها آفة الانقطاع المدرسي وأن تخلق الدولة مناطق صناعية وخدماتية من الطراز الأول في الجهات الداخلية وأن تراعي أيضا مبدأ التمييز الايجابي في الانتداب في الوظيفة العمومية والأهم في نظرنا أن تخلق جيلا كاملا من الفاعلين الاقتصاديين في هذه المناطق من الشابات والشبان وان توفر لهم كل حظوظ الثراء لا فقط تحقيق مشاريع صغيرة الحجم يكون افقها الوحيد العيش على الكفاف.

من حق كل شاب (ة) له طموح كبير ولا يملك سوى الفكرة والإرادة على انجازها أن يصبح ثريا بفضل عمله وبإسناد قوي من هياكل الدولة .

لقد خلقت الدولة التونسية في سبعينات القرن الماضي زمن المغفور له الهادي نويرة طبقة جديدة من المستثمرين في الصناعة والخدمات ولقد استفاد من هذه السياسة في الأغلب الأعم بعض صغار رجال ونساء الأعمال أو موظفي الدولة والمؤسسات الخاصة واليوم يمكن أن نخلق الهياكل وخطوط التمويل لإيجاد جيل جديد من نساء ورجال الأعمال في هذه المناطق وفي ظرف قصير نسبيا (عقد أو عقدين من الزمن).

يمكننا أيضا خلق مدن للصناعات الثقافية (الكتاب والموسيقى والسينما والعاب الفيديو..) ومدن جامعية وأخرى صناعية في هذه الولايات حتى نخرج من ثقافة الدولة المغذية إلى الدولة الواضعة للخطط الإستراتيجية ولتمكين كل سكان هذه المناطق من الإسهام في خلق الثروة والقيمة المضافة العالية فترتفع بلادنا في سلم القيم .

لنقلها بوضوح سياسات التمييز الايجابي ليست سياسات اشتراكية توزع عوائد لم تخلق بعد ،بل هي سياسات تعمد إلى تحفيز الجميع للخلق والإنتاج والابتكار وجعل الثراء المشروع الناجم عن التفوق المعرفي أو المهني أفقا متاحا للجميع .

صحيح أننا نحتاج إلى ضخ ضخم للأموال ولكن نحتاج قبل ومع وبعد هذا إلى ضخ الذكاء والى تغيير مقاربتنا للتنمية ولإعادة كل المصاعد الاجتماعية إلى الاشتغال والى حشد كل الطاقات في هذا الحلم الوطني الجديد لدى مواطنينا في المناطق الداخلية وفي المناطق الساحلية أيضا فخلق الذكاء والتفوق والقيمة المضافة العالية في أية منطقة سيشع على الجميع ضرورة وسيوفر إمكانيات جديدة لا للشخص المعني فحسب بل لمعتمديته ثم لولايته وأيضا لكل الولايات المجاورة الداخلية والساحلية على حد سواء ..

هنالك مثل صيني شهير ردده كثيرا احد أهم أباطرة الاشتراكية العالمية ماو تسي تونق « لا تعطني سمكة بل علمني كيف اصطاد» وننسج على منواله فنقول أن المناطق الداخلية لا تحتاج إلى إنفاق عمومي هام في البنية التحتية فقط بل إلى توفير كل ظروف التفوق المدرسي والعلمي والمهني وان يعم الازدهار الجميع بفعل العمل والإنتاج والارتقاء في سلم القيم .. أما ما عدا ذلك فسيكون كالحرث في البحر .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا