في خضم المشاورات حول الحكومة: عين على القانون الانتخابي ،و أخرى على النظام الدّاخلي

في الوقت الّذي يتواصل فيه الأخذ والرد في حلبة المشاورات حول تشكيل الفخفاخ لحكومته، لا يهدأ بال

كتل الأغلبية البرلمانية حول إجراء تعديلات للتشريعات الّتي يرونها هامة .

وإن كانت حلبة المشاورات حول الحكومة المرتقبة تلقى المتابعة و الاهتمام من الخاص والعام، فإن الهاجس التشريعي المتصل بالانتخابات والنظام الداخلي لمجلس نواب الشعب ينحصر في اهتمام المفكّرين في معادلات تدعيم المواقع في السلطة التشريعية وفي التعويل عليها كشروط في التفاوض.

لقد بدا جليا أن معترك المشاورات حول الحكومة المرتقبة ،لا يدور إلى حد الآن حول برامج ، وإنّما حول الحقائب الوزارية الحسّاسة ، وسبل ضمانها بتوفير الأغلبية اللاّزمة لنيل الحكومة ،ثقة مجلس نواب الشعب . في هذا المضمار نجد حزب حركة النهضة هو المناور الرئيسي لفرض اختياراته وذلك عبر التمسك بعدم إقصاء حزب قلب تونس من المشاورات و الظهور بمظهر الرّافض للإقصاء و بالحامل لشعار الحزب المجمّع، بالدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية . و لكن لا يخفى عن أحد أن تَبنّي هذا الخطاب ليس في الحقيقة إلا لمساومة رئيس الحكومة المكلف و لدغدغة طموحات حزب قلب تونس في نفس الوقت ، بغاية وحيدة ، وهي الحصول على الحقائب الهامّة من جهة، و ضمان نيل ثقة البرلمان من جهة أخرى - فقط لا غير- و ذلك مثل ما حصل عند التخطيط للحصول على رئاسة مجلس نواب الشعب . فالنهضة تريد أن تلّوح بيد بالقول بأنها الحزب الأول في الانتخابات التشريعية ، و لها الكلمة الفصل في أي تمشي يسعى إليه الفخفاخ ،و تلوّح بيد ثانية، بتزعمها الدفاع عن قلب تونس ليكون الإحتياطي الّذي يؤمّن لها الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، عند ضمان الحقائب الوزارية الّتي تريدها.

في نفس الوقت يبدو هاجس التيار الديمقراطي مرتكزا على ضمان حقيبتي الداخلية والعدل للانخراط في حكومة الفخفاخ و لو كان ذلك مقابل التنازل عن بقية شروطه ، خاصّة بعد أن أمّن رفض الحزب الدستوري الحر الدخول في مشاورات أو التصويت على حكومة الفخفاخ .

أمّا حزب قلب تونس ، فيبدو أنه بتبَنّي موقف تجنيب تونس العودة إلى الوراء والخوف من فشل تجربة الإنتقال الديمقراطي ، يريد أن يتخذ موقفا وسطا لتجنب إخراجه من حلبة التشاور، و ذلك حتى و لو أدّى به الأمر إلى تخليه عن الحصول على حقائب وزارية لحزبه مباشرة، و الاكتفاء بقبول مقترحاته في البرنامج الذي ستتبناه الحكومة المنتظرة ، ليكون بذلك داخلا في الربح و خارجا في الخسارة ، فيكون داعما للائتلاف مع النهضة في التصويت على حكومة الفخفاخ إذا قبل شروط النهضة، وفي نفس الوقت معارضا للحكومة الّتي لم يحصل على حقائب فيها، كما يفهم ممّا جاء على لسان بعض قيادييه. ولكن لا أحد يقدّر مدى استيعاب الرأي العام والقاعدة الانتخابية لهذا الموقف البهلواني.

بهذا تكون تونس إزاء تجربة منفردة ، يكون فيها الإئتلاف الحكومي مختلفا عن الإئتلاف البرلماني أو لنقل يكون فيها الائتلافان في ديناميكية متغيّرة أي دون ثوابت تضمن التجانس. و إذا أضفنا إلى ذلك عدم التجانس المحتمل مع خيارات رئيس الجمهورية ، فإننا سنكون إزاء وضع سياسي «موقوت» أي قابل للانفجار في أي وقت .

يتدعّم القول بإمكانية الدخول في تجربة فريدة من نوعها بمآل المعركة التشريعية حول مشروعين تمّ الاعلان عنهما . يتعلّق المشروع الأول بمساعي تعديل القانون الإنتخابي والإستفتاء ، الّذي ترتب له حركة النهضة بتقديم مشروع يخص إقرار عتبة 5 %، لتقنين إقصاء الأحزاب والتشكيلات الصغرى و المستقلين «على قاعدة» كما يقال، مع تقوية الأحزاب الكبرى ، بالرغم من أنها غير ضامنة بأن تكون ضمن الكبار في ظل التحولات الجديدة و في ظل تزايد نسبة عزوف الناخبين .

مقابل هذا المشروع المعلن لتعديل القانون الانتخابي، ظهر المشروع الثاني المقترح من التيار الديمقراطي الرامي إلى تعديل النظام الداخلي ،و ذلك بإقرار إنتخاب رئيس البرلمان في كل دورة برلمانية ، و هو ما يعني أن يكون الإئتلاف البرلماني قابلا للتغيير كل سنة ، بحيث لا يكون كرسي رئاسة البرلمان دائما للكتلة الّتي ينتمي إليها،و يكون بالتالي محكوما بتغير تشكل الإئتلافات البرلمانية . هذا المشروع يمكن أن يحصل على تأييد أغلب الكتل البرلمانية من غير النهضة و إئتلاف الكرامة، و هو ما لا يُرضي حركة النهضة ، الّتي قد تجد نفسها مرغمة مرّة أخرى على مراجعة حساباتها في مشاورات تشكيل الحكومة .

لذلك لا نستبعد الرجوع إلى الحديث عن حقائب وزارية «لمستقلين» من حيث عدم انتمائهم الهيكلي، أو مستقلين من ذوي الوجهين- غير مهيكلين و لكنهم ينتمون إلى عائلات فكرية – أو مستقلين محايدين في الظاهر ولكنهم قابلون للانحياز ، وهو ما سيجعل الفخفاخ يبحثُ عن عصافير نادرة سينصحه بهم المالكون لمنابت Pépinières احتياطية .كل هذا إذا استبعدنا خيار حل البرلمان الخيار المرعب للجميع .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا