تأجيل التوقيع على وثيقة حكومة الفخفاخ: غموض و تحسّب ومخاوف...

لم يلتئم الإجتماع الّذي كان من مزمع عقده أمس السبت 1 فيفري 2020 المخصّص للتوقيع على الوثيقة الّتي كانت ستنبثق

عنها حسب محرّريها «حكومة الوضوح و الثقة »، و أجّل الموعد بطلب من زعيم النهضة لتعذر حضوره طبق بلاغ مكتب إعلام السيد إلياس الفخفاخ بسبب ارهاق السفر.
الإعلان عن هذا التأجيل و الهالة الّتي تحيط بهذه الوثيقة ، تترك الانطباع بأن انتظارات الشعب تتجمّع حول مضمون الوثيقة ، و بأنها سفينة الإنقاذ لما تحمله من حلول لمعالجة الأوضاع التونسية، رغم أن ما جاء فيها ليس إلاّ خطوطا أو مبادئ عامّة تمّ تعدادها في قالب وعود من الحكومة المنتظرة .
هذه الحكومة الّتي وصفت بالمصغرة قياسا على سابقاتها نراها غير ذلك ، بإعتبار أن التقليص المطلوب هو الّذي يجمع مختلف المجالات في أقطاب متقاربة ومترابطة ، وليس في تجزئة و خلق هياكل قد يصعب التنسيق في سياستها و بين إداراتها وتحميلها أعباء تنفيذ خطط مترابطة.
فالتنمية والإستثمار والتعاون الدولي والتجارة و التخطيط مثلا يمكن تجميعها في وزارة للإقتصاد الوطني ، و الإسكان والبيئة و التهيئة الترابية و البيئة يمكن جمعها في وزارة التجهيز ، و الطاقة و المناجم وتكنولوجيا الاتصال يمكن جمعها في وزارة الصناعة ، والمرأة و الطفولة والأسرة و كبار السن و التشغيل يمكن جمعها في وزارة الشؤون الاجتماعية ، و يمكن جمع التكوين والتربية في وزارة التربية ،كما يمكن حذف وزارة الشؤون الدينية و إلحاقها بالوزارة الأولى و حذف كتابة الدولة للخارجية و الاكتفاء بوزارة للخارجية والشؤون القنصلية . هكذا وبتصورات معدّلة أخرى يمكن أن نطمح إلى النجاعة والضغط على المصاريف و تقليص مجهود تنسيق السياسات ،و تجنب تسرّب فيروس البيروقراطية بين هياكل الدولة . بل يمكن تجنّب إقتسام النفوذ بين الأحزاب عند توزيع الحقائب، وتصبح الحكومة إزاء مقاطعات ذات توجهات مختلفة و ممسوكة من عائلات سياسية و فكرية لا تطبق سياسة الدولة، وإنما سياسات الماسكين بهذه الوزارة أو بتلك.
إن ما جاء بوثيقة «حكومة الوضوح والثقة» الّتي يريد أصحابها الإيهام بأنها تتضمن حلول المستقبل ،كشف من خلال الهيكلة المقترحة ، أنها لن توصّل إلى وضع سلطة قوية و متماسكة ، خاّصة إذا تم توزيع الحقائب على أساس محاصة حزبية مقنّعة، ولم تكن مدعومة من الكتل الأكثر تمثيلا في البرلمان.
هذا الدعم الّذي سُمي بالحزام السياسي ، قلّل من شأنه رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيد في حواره المتلفز يوم 29 جانفي 2020 عندما أكّد أن الحزام المطلوب هو «حزام الشعب»، و الحال أن السيد إلياس الفخفاخ قدّم وثيقته على أساس أنها ستسمح بتشكيل حزام عريض لحكومته ، وهذا يثير التساؤل عن حقيقة الانسجام المصرح به بين رأسي السلطة التنفيذية .
في هذا المضمار تبرز المخاوف بل الهلع من شبح حل البرلمان عند فشل تشكيل حكومة الفخفاخ ، الّتي كلّما تأخر تكوينها، اتسعت احتمالات عدم نيلها لثقة نواب مجلس نواب الشعب . خاصة و ان أغلب الألسن منفلتة ، و كثيرا ما يكشف هذا الانفلات عبر وسائل الإعلام حقيقة المواقف الّتي يبطنها البعض تجاه البعض الآخر، لذلك من المرجح أن يكون سبب تأجيل إجتماع أمس ليس بسبب أتعاب سفر صاحب السلطتين (مجلس النواب ورئاسة حركة النهضة ) وإنّما من المحتمل أن يكون بسبب اختلافات كبيرة في وجهات النظر في مقرّيْ قرطاج و في مونبلزير و في مقرات الأحزاب الموجود في ضفيرة «الحزام» و خارجها .
لذلك بدا الإعلان عن تأجيل التوقيع على وثيقة حكومة الوضوح والثقة « إعلانا عن وجود صعوبات في مخرجات الحكومة المنتظرة ، بحيث ستكون «هدنة» اليومين مليئة بالجدل و الشد والدفع ، و ربما بالمساومات في ظرف يغيب فيه الوضوح و تهتز فيه الثقة و ترعب فيه المخاوف من خيار حل مجلس نواب الشعب ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا