غدا يعلن رئيس الدولة عن اسم لمكلف الجديد بتشكيل الحكومة: الأقدر أم الأجدر؟ الثوري أم المحافظ؟

كل الأنظار تتجه إلى صاحب قرطاج (في أوقات الدوام فقط) وقراره غدا بتكليف الشخصية التي سيعهد إليها تشكيل الحكومة الجديدة،

وكل الأسئلة تحوم حول محددات اختيار رئيس الحكومة المكلف الجديد ، هل سيكون من ضمن القائمة المقدمة من الأحزاب أم لا ؟ وهل سيكون من بين الأسماء الأكثر تكرارا أم لا ؟ وهل سيكون من الخط الثوري أم من المحافظين ؟

لو قلنا بأن أعمال العقلاء منزهة عن العبث لتوجب حتما أن ينحصر اختيار رئيس الدولة ضمن القائمة المقترحة من الأحزاب وإلا لما كان من معنى لهذه الاستشارة الكتابية التي قام بها وفق فهم خاص لنص الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور .

والواضح أيضا أن أسماء عديدة سوف تسقط من الغربلة الأولى إما لضعف تمثيليتها البرلمانية أو لانعدام الحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة لمثل هذا المنصب الحساس في قيادة السلطة التنفيذية .

يبدو لنا أن الاختيار سوف ينحصر بين أسماء خمسة ثلاثة منهم يحظون بترشيح مقبول ،وإن لم يصل بعد إلى الأغلبية المطلوبة، وهم الفاضل عبد الكافي وحكيم بن حمودة ورضا بن مصباح وآخران ينطلقان ببعض الحظوظ وهما الياس الفخفاخ والمنجي مرزوق .

الأرجح عندنا أن الاختيار سينحصر بين هذا الخماسي وان لرئيس الدولة حرية الترجيح خاصة بعد ما وسع الحوار ،المباشر هذه المرة،مع أهم المنظمات الاجتماعية باعتبارها ستكون الشريك الأهم للحكومة القادمة.

لكل أفراد هذا الخماسي تكوين اقتصادي ،أو له علاقة بالاقتصاد ، وقد شغلوا جميعا مناصب وزارية في حكومات ما بعد الثورة باستثناء رضا بن مصباح الذي شغل مناصب هامة في الدولة قبل الثورة وبعدها ..

كيف ستكون معايير الاختيار الرئاسي ؟ الدستور يعطيه معيارا وحيدا وهو أن يكون «الأقدر» أي ذاك الذي يحظى بثقة أغلبية برلمانية تسمح لهذه المرحلة الثانية بالنجاح على عكس سابقتها ..

في اعتقادنا كل هذه الشخصيات قادرة على تشكيل حكومة تنال ثقة مجلس نواب الشعب وعليه فيمكن أن نقول بهذا المعنى أنها كلها ينطبق عليها معيار «الأقدر» وهنا سيجد رئيس الدولة نفسه مضطرا إلى الاعتماد على معيار ثان وهو من هو «الأجدر» بحمل هذه الأمانة الثقيلة؟ وهل سيكون ذلك بالاعتماد على التوجهات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية لأفراد هذا الخماسي أم على خصالهم الشخصية وقدراتهم القيادية ؟

جزء من القوى الفاعلة في البلاد يدفع الرئيس نحو اختيار سياسي في اتجاهين متناقضين : شخصية توافقية (اي يرضى عنها حزبا النهضة وقلب تونس ) أو شخصية ثورية أو منخرطة في الأفق الثوري اي تحظى بثقة ما يسمى بأحزاب «الخط الثوري» وهي النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وتحيا تونس وائتلاف الكرامة أساسا .

ولكن السؤال العملي الوحيد المفيد هو هل يمكن فعلا أن نقيّم هذا الخماسي وفق هذه المعايير السياسية المقترحة ؟ ثم حتى لو كان الأمر كذلك فهل سيعني هذا سياسات عمومية للحكومة الجديدة مختلفة بشكل لافت ؟

بعبارات أخرى هل يملك رئيس الحكومة المكلف بعد نيله ثقة مجلس نواب الشعب هامشا من التحرك الاقتصادي والمالي والاجتماعي يجعل سياسته من لون خاص ؟ أم أن كل هذه الشخصيات ومهما كانت تبايناتها الفكرية والاقتصادية مضطرة لانتهاج نفس الحلول الكبرى، تقريبا، على الأقل في المدى المنظور، أي سنتين أو ثلاثا من الحكم ؟ !

اعتقادنا بان الوضع المالي والاقتصادي للبلاد لا يسمح بخوض سياسات إرادية مختلفة إلى حد التناقض اذ لا وجود لوصفات عملية متعددة لحل معضلة المالية العمومية من تداين وضغوطات مختلفة على الميزانية لإيفاء الدولة بكل تعهداتها ،فالاختيار المغاير الوحيد هو أن يعلن رئيس الحكومة القادم أن الدولة التونسية لن تسدد ديونها الخارجية أو أنها لن تسدد إلا أصل الدين أو أنها ستفرض فترة إمهال بصفة انفرادية على الجهات المانحة أو أنها ستؤمم الشركات الأجنبية أو المحلية العاملة في بعض القطاعات،أو أنها سترفع بصفة هامة في الأجور أو أنها ستلغي الدعم بصفة كلية وفورية أو أنها ستوفر دخلا قارا ومحترما لكل عاطل عن العمل ..

كل هذه الإجراءات الثورية الراديكالية ذات اليمين كانت أو ذات الشمال لن تقدر أية حكومة تونسية على اتخاذها أو حتى على مجرد الحلم بها وذلك أيا كانت شخصية رئيس الحكومة المكلف الجديد ..وأن هذه الإجراءات الراديكالية التي يحلم بها البعض لن تنال ثقة البرلمان الحالي ولا ثقة اغلب الأحزاب المقحمة طوعا أو كرها في «خط الثورة».

رئيس الحكومة القادم سيعمل على جلب الاستثمارات للبلاد وعلى التحكم – ما أمكن له ذلك- في نفقات التصرف وسيحث القطاع الخاص على مزيد المجازفة خاصة في المناطق الأقل نموا وسيسعى إلى إيجاد بعض السيولة للحد من التداين الخارجي سواء كان ذلك بخوصصة كلية أو جزئية لبعض المؤسسات العمومية أو بالاعتماد على شراكات هامة بين القطاعين العام والخاص ..وسيعمل رئيس الحكومة الجديد على إعادة العمل بكامل الطاقة في مناجم الفسفاط والبترول والغاز وسيكون، أحب ذلك أم كرهه، أول رجل مطافئ في البلاد يتفاوض مع المانحين الأجانب ومع الأطراف الاجتماعية وكذلك مع كل أصناف الاحتجاج المحلي ..

في كل هذه الرهانات وغيرها ما الذي سيصنع الفارق بين شخصية أو أخرى على رئاسة الحكومة ؟

الذي سيصنع الفارق في نظرنا هو بالأساس القدرة القيادية لهذه الشخصية والقدرة التفاوضية أيضا وخاصة قدرة الانجاز وذلك يمر حتما عبر إعادة الاعتبار للإدارة التونسية الواقعة تحت سلطته وان يجعل من كل موظفي الدولة عناصر ايجابية للنهوض بالبلاد .. وبالإضافة إلى كل ذلك عليه أن يحسن التواصل مع التونسيين ليقنعهم تارة ببعض القرارات الضرورية الموجعة كما يقال وليطمئنهم في كل الأوقات بأن البلاد تسير في الطريق الصحيح وليجعل من كل مكونات الإنتاج تشتغل وفق أهداف مشتركة .

بالطبع لو كانت لهذه الشخصية رؤية إصلاحية على المدى البعيد وقدرة على بداية الاشتغال عليها لأضاف إلى ذلك رصيدا إلى رصيده ..

ونعود بالسؤال إلى بداياته،هل سيختار الرئيس قيس سعيد شخصية وفق ما يراه من اختياراتها الإيديولوجية فحسب أم شخصية تتوفر فيها كل هذه الخصال مشتركة ؟
ذلك هو السؤال ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا