هذه هي الشخصية الأقــدر...

التمشي الّذي اختاره رئيس الجمهورية بخصوص تكليف الشخصية الأقدر لتكوين الحكومة الّتي ستنبثق عن إنتخابات 2019،

و ذلك بمطالبة الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية بمدّه كتابة بمقترحاتهم مع بيان معايير اختياراتهم، في أجل لا يتجاوز اليوم الخميس 16 جانفي 2020 ، يبدو سليما ومحترما لمقتضيات الدستور و أسلوب التعامل المؤسساتي.

و لكن كيفية التعامل مع ما سيبلّغ للرئيس وطريقة الحسم في الإختيار ، يبقى محل انتظار، خاصّة و ان الدستور يكتفي بالاشارة إلى قيام رئيس الجمهورية بمشاورات بخصوص هذا التكليف ، دون بيان طريقة الحسم ، خاصة إذا تواصل الاختلاف حول تحديد هذه الشخصية .

يمكن تجاوز هذه المسألة التقنية إذا تم التوجه أوّلا إلى تحديد الحاجة التي تنتظرها البلاد من هذه الشخصية و من الحكومة الّتي سيكلّفُ بتشكيلها لاحقا . فالملاحظ أن الهواجس طغت على مراحل الحكم الماضية كانت سياسوية أو سياسية بمفهومها السلبي ، بحيث لم تتجاوز معارك التشكيلات السياسية من أجل المواقع ، وإستعراض التباينات الفكرية العامّة .

هذا يعني أننا لم نبلغ مستوى النقاش حول برامج إقتصادية أو تنموية، أو حول تصورات تهم ّ كيفية إخراج البلاد من الأزمة الّتي تعيشها و سبل إسترداد الدولة لهيبتها وإعتبارها، وطرق إعلاء كلمة القانون.

لذلك لا يختلف إثنان في أن تغليب الهواجس السياسية و الإهتمام بسبل الإستحواذ على مراكز النفوذ و السلطة ، هي الّتي كانت تسترعي إهتمام الأحزاب السياسية، ولم تكن الأوضاع الإقتصادية المتردية و مظاهرها السلبية في الحياة اليومية للمواطنين ، غير فزاعة يقع استعمالها عند الحاجة لاستمالة الأتباع والموالين بالتلويح بوعود دون رصيد.

إن الدليل على عدم وجود إرادة سياسية لتغيير الأوضاع الإقتصادية ، هو غياب أي توجه جاد لإصلاح الأوضاع المالية و مراجعة السياسات المتبعة للإصلاح الفلاحي و النظام الجبائي و نظام التأجير و مقاومة الفساد والبيرقراطية و تحسين الخدمات و التشجيع على الإستثمار و إيجاد الحلول للتحكم في الأسعار و تحسين المقدرة الشرائية .

لذلك نرى أن الشخصية الأقدر ليست الشخصية القادرة على تهدئة الخواطر وعلى تقديم مسكنات ظرفية بلباقة خطابية أو بمراوغات سياسية . و ليست الشخصية المطلوبة شخصية غير مُسيّسة و غير عارفة بشؤون السياسة أو مستقلّة تأخذ من كل شيء بطرف .

إن هذا الظرف في حاجة إلى أمرين أساسيين بعد الأمن و الأمان، اصلاح الوضع الإقتصادي بمفهومه الواسع، و إصلاح القضاء لإعمال القانون وضمان نفاذه وتحقيق العدل.

لذلك نعتقد أن الشخصية الأقدر الّتي تحتاجها تونس هي الشخصية المتمكنة من الشؤون الإقتصادية والعارفة بمتطلبات المرحلة المقبلة لتجاوز الظروف الصعبة الّتي تعيشها تونس، والقادرة على حسن اختيار قيادة فريق حكومي بإقتدار و حزم . أي شخصية تملك المعارف والتجربة والقدرة على حسن التسيير في نفس الوقت ، لأن إمتلاك هذه الميزات هو الذي يمكّن من ايجاد الحلول ومتابعة تنفيذ التصورات المُستنبطة.

إن الأحزاب والكتل النيابية والإئتلافات ، الّتي تتجاهل المعركة الإقتصادية الّتي يجب أن تقدم عليها تونس في السنوات المقبلة ، لا يمكنها أن تهتدي إلى سبل إنقاذ البلاد من التردّي ، لذلك عليها ألا تعوّل على شخصية نكرة ، ترضي الجميع ،و لكنها غير قادرة على إحداث نقلة نوعية في التفكير السياسي و الإقتصادي ، الّذي بدأ يتكلّس في السنوات التسع الأخيرة، إلى أن وقف عاجزا عن الإصلاح والتغيير.

تونس ليست في حاجة إلى داهية قادرة على اللّعب والتلاعب و على الدس و الغش والتلون والبهتان. إنها في حاجة إلى شخصية وطنية تحب البلاد بحق و تترجم حبّها بالعمل والمثابرة بصدق ونزاهة لإيجاد الحلول المناسبة لإخراج البلاد ممّا هي فيه.

إذا تمّ الإهتداء إلى هذه الشخصية المالكة لرؤية واضحة للنهوض بالإقتصاد والحائزة للمواصفات الّتي ذكرناها، يمكن عندها ان نترك لهذه الشخصية مهمّة إختيار التشكيلة الّتي تضمن تنفيذ التصورات الشاملة الّتي ستُمكنُ هذه الشخصية من عرضها لنيل ثقة أعضاء البرلمان ، وعندها يكون لكل حدث حديث.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا