بعد سقوط تكليف الجملي: أي تعامل مع المنعرج الجديد في المشهد السياسي؟

انتهى الشهر الثاني من تكليف السيد الحبيب الجملي الّذي اختارته حركة النهضة مرشحا لها لتشكيل الحكومة الجديدة والتي لم تتحصل

على ثقة أعضاء مجلس نواب الشعب بإعتبار أن عدد 72 من الاصوات كان بعيدا عن عتبة 109 أصوات المطلوبة . هكذا لم ينجح اختيار مجلس شورى النهضة في تحقيق ما رسمه لمسك آليات الهيمنة للسنوات الخمس المقبلة بأغلبية هشة.

كانت هذه الأغلبية غير مضمونة، لأنها كانت تستند إلى سلطة مجلس الشورى وقراراته مّما جعل الأطراف المتفاوضة مع النهضة مطالبة بالإذعان لها، و ليس للتشارك معها.

لقد قلبت حركة النهضة قاعدة التفاوض و التشاور، كما سبق أن أكدنا على ذلك، بسعيها إلى فرض إرادة الأقوى في تصوّرها، رافعة راية التحدّي، بالمغامرة باستعمال خطاب المستقوي دون اعتبار لإرادة بقية الأطراف الّتي دعتها للمشاركة في مسارها الجديد . وقد انخرطت حركة النهضة في هذا التمشي ، لأنها توهمت بأنها الحزب الأقوى استنادا إلى المرتبة الأولى التي حازتها في الانتخابات التشريعية، دون أن تلتف إلى حصتها الحقيقية بمعية الاحتياطي المضمون لها المتمثل في ائتلاف الكرامة ، في مجلس نواب الشعب الّذي لا يتجاوز الثلث ،و دون أن تأخذ بعين الإعتبار ضعف نتائجها في الإنتخابات الرئاسية وتقلّص عدد المصوتين لها، وعدم الارتياح لها ولزعيمها في عمليات سبر الآراء.

هذا التكبر جعلها تلوح بتحقيق «الانعطافة التاريخية» بواسطة حكومة رئيس الحكومة المكلف، متناسية أن لغة التحدّي ، تتنافر مع دعوة التجميع والتشاركية في ممارسة السلطة ، و تدفع نحو تضييق المسار ، وهو ما دفعنا إلى القول بأن حركة النهضة تخاطر بمستقبلها العاجل و الآجل (المغرب 17 /11 /2019) كما أن الخطاب المزدوج والتصريحات المتضاربة لقياديها، أعطى الانطباع لدى الرأي العام بأن حركة النهضة لا تفكّر إلا في مصالحها الحزبية الضيّقة وفي التفرّد بمختلف السلطات ولا تهمها انتظارات الشعب وكيفية تجاوز البلاد لأزمتها الاقتصادية والاجتماعية
لقد ثبت أن رئيس الحكومة المُكلف، لم يكن ماسكا بمختلف خيوط اللّعبة السياسية، وأن تعامل النهضة مع الشركاء «كعساكر كرتونيين»، خطأ فادح في قراءة الأرقام الّتي تحكم الخارطة السياسية وفي تشخيص حقيقتها.

لم يكن خافيا على المتابع أن اللّجوء إلى آلية تكفل رئيس الجمهورية بتعيين الشخصية الأقدر بعد التشاور مع كل الأحزاب و الإئتلافات طبق ما يقتضيه الدستور، أمر وارد جدّا ، خاصّة بعد أن تمّ التعرف على الشخصية الّتي كلّفت بتشكيل الحكومة، وإنقضاء أجل الشهر الأول من المشاورات وعدم التوصل إلى تشكيل الحكومة.
إن احتمال اللّجوء إلى هذه الآلية أزال التخوّف من إعادة الإنتخابات ، خاصّة مع تقبّل هذه الفكرة من بعض القيادات الحزبية الممثلة في البرلمان و ظهور بوادر رغبة رئيس الجمهورية في التدخل في المشاورات.

إذن بلغنا المرحلة الثالثة في مسار تشكيل الحكومة و تحوّلت مهمة تكليف الشخصية الأقدر لتشكيل الحكومة المنبثقة عن الانتخابات التشريعة لسنة 2019 ، لرئيس الجمهورية ، الّذي استقبل أمس السبت 11 جانفي 2020 رئيس مجلس نواب الشعب ليتلقى منه رسميا نتائج التصويت وإعلامه بعدم حصول رئيس الحكومة المكلف على ثقة مجلس نواب الشعب، ليبدأ سريان أجل بـ10 أيام لتكليف الشخصية الأقدر بعد إجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية ، من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر.

هذه المشاورات لن تكون -هي الأخرى-سهلة ، لأنها ستبقى محكومة بثبات مختلف الكتل التي صوتت ضد منح الثقة لحكومة الجملي على مواقفها و القبول بالشخصية الأقدر على تكوين الحكومة التي سيختارها رئيس الجمهورية في مرحلة أولى ،ثم الاتفاق على التشكيلة المقترحة و توزيع مختلف الحقائب في مرحلة ثانية . ولكن ما قد ييسّر مهمّة رئيس الجمهورية، الاعلان الّذي تمّ عن تشكيل كتلة واسعة تضم أحزاب قلب تونس وحركة الشعب و تحيا تونس و كتلتي الإصلاح الوطني والمستقبل الّتي تضم أكثر 90 نائبا اتفقوا على التنسيق بينهم وهي كتلة قابلة للاتساع ويمكن أن تساهم في اختصار مجهودات التشاور. و فضلا على ذلك فإن الخوف من إعادة الانتخابات ، يشكّل عنصرا دافعا للاتفاق، باعتبار أن كل الأحزاب تخشى من ذلك ، نظرا لعدم ضمان النتائج التي تحصلت عليها في صورة إعادة الانتخابات، وتحّسبا من تبعات تمطيط الانتظار على أوضاع البلاد.

ولكن ما يجب التنبّه إليه ، أن فشل النهضة في تمرير حكومتها ، لا يعني انتهاء حضورها، ولا يعني أيضا أنها ستستسلم، بل ستستغل حجمها النيابي وقدرتها على المناورة و استغلال هفوات خصومها لتعديل المشهد السياسي بما يخدم مصالحها.

كما أن نجاح الكتل التي صوّتت ضد حكومة الجملي في توحيد موقفها ، لا يعني أنها حسمت أمر تكوين تكتل مناهض للنهضة ، قادر على الصمود أمام مقتضيات تشكيل الحكومة المنتظرة دون السقوط في الخلافات الّتي قد تخلق أي تصدّع ستتلقفه النهضة لإفتكاك زمام المبادرة.

أمام كل هذه المعادلات ، يبقى موقف رئاسة الجمهورية أحد المفاتيح الّتي ستكون مؤثرة في المرحلة المقبلة ، بحيث سيكون تفاعلها الإيجابي والخلاق مع المستجدات و وعيها بمتطلبات الظرف ، عاملا فاعلا في الخروج من كل الإشكاليات بأقل الخسائر .

هذا المشهد الّذي نحن إزاءه يمكن أن يشكّل منعرجا في المشهد السياسي برمّته ، لو تمّ التعامل مع مستجداته في اتجاه تشكيل جبهة ديمقراطية واسعة تتفق على كيفية تحديد الاولويات الّتي تقتضيها عملية الإنقاذ من حالة التردي الّتي يمكن أن تواصل فيها البلاد ،و على أساس ذلك تتشكل الحكومة المنتظرة ، و ينصرف الجميع للعمل من أجل تحقيق انتظارات الشعب .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا