الديبلوماسية التونسية أمام الامتحان الليبي

«الحرب هي مواصلة السياسة بطرق أخرى» هذا ما قاله الضابط الألماني كلاوسفيتش في القرن التاسع عشر في كتابه الشهير

«في الحرب» وبالنسج عليه يمكن أن نقول أن السياسة (أي الديبلوماسية) هي مواصلة الحرب بطرق أخرى..

فالديبلوماسية والحرب توأمان منذ قيام الدولة في تاريخ الإنسانية وإن كانت الأولى ترنو إلى إحلال السلم بينما لا تعتمد الثانية إلا على منطق القوة،ولكن أمن الدول والشعوب هو في حسن إدارة الأمرين معا.. فالديبلوماسية لا تتحرك في عالم مثالي، بل في عالم تحكمه فقط المصالح والتحالفات وتوازنات الرعب،عالم لا كبير مكان فيه للقيم ولا ينتصر فيه إلا القوي أو من تمكن من الاستغلال الأمثل لتناقضات خصومه .

في جارتنا الشرقية ليبيا يتكلم السلاح منذ حوالي تسع سنوات ونحن إزاء لعبة الأمم في رواية جديدة: أطراف محلية مدعومة بمحاور إقليمية وبتدخل بعض القوى العظمى.. في الجوهر لا شيء جديد، ولكن الأطراف المحلية والإقليمية هي التي تغيرت بصعود قوى جديدة وأفول نسبي لأخرى، وفي عالم متغير متقلب لم يقطع مطلقا مع منطق القوة والحرب بل لعلنا نشهد في هذين العقدين تصاعدا لوتيرة الحروب لم نشهده منذ حرب الفيتنام.

في الديبلوماسية، كما في الحرب، لابد من حسن الاستعداد ومن الوقوف على نقاط القوة ونقاط الضعف في الصفوف الداخلية وفي صفوف الخصوم/الأعداء وأن نعد لذلك خططا هجومية وأخرى دفاعية وان نتمكن من التوظيف الأمثل لكل الفرص وأشباه الفرص المتاحة لنا..

ديبلوماسيتنا اليوم على المحك في ما يتعلق بأهم ملف لدينا وهو الشأن الليبي ومآلات الصراعات المسلحة هناك.. إن تعبيرة «أمن تونس من أمن ليبيا» من البداهة بحيث لا تستحق أية مناقشة..

لو نظرنا إلى ما يدور في ليبيا بعين متخلصة من كل القيود الإيديولوجية والطوباويات المثالية لوجدنا الأمر التالي: منذ الإطاحة بنظام القذافي في 2011 من قبل جيوش الحلف الأطلسي ومع التدفق الخيالي للسلاح من كل الجهات أصبح الصراع الليبي الليبي عسكريا بالأساس بين شرعيات وميليشيات متناحرة والآن تريد كل القوى الدولية، وخاصة الأوروبية وروسيا والمحاور الإقليمية (مصر والامارات والسعودية من جهة وتركيا وقطر من جهة أخرى) أن يكون لها موطئ قدم في هذه البلاد الغنية بالموارد الطبيعية وذات العمق الاستراتيجي إفريقيا، والغريب أن تونس التي تحملت لوحدها رجع الصدى لهجوم الحلف الأطلسي بقيادة فرنسا على ليبيا لم تتمكن مطلقا من أن تكون طرفا هاما داخل الساحة الليبية..

لو نظرنا إلى ديبلوماسيتنا على امتداد هذه السنوات الثماني للاحظنا فيها أننا نتقلب بين أمرين اثنين: الوقوف على الحياد بين طرفي النزاع (قنصل في طرابلس وقنصل في بنغازي) أو تأييد الشرعية الدولية أي حكومة الوفاق.. والموقف اليوم الذي عبر عنه رئيس الجمهورية وكذلك رئيس الحزب الأول ورئيس البرلمان هو الوقوف مع الشرعية الدولية والعمل من أجل حل سلمي.

ظاهريا يبدو الموقف سليما ومتناسقا مع ما يسمى بثوابت الديبلوماسية التونسية القائمة دوما على احترام الشرعية الدولية. ولكن عندما ندقق في الأمر نرى أن الموقف التونسي عقائدي سياسيا وضعيف ميدانيا..

ماهي الشرعية التي نتحدث عنها في ليبيا؟ شرعية حكومة الوفاق التي فرضتها الأمم المتحدة أم الشرعية المتنازع عليها بين حكومة الوفاق وبرلمان طبرق؟

فحكومة الوفاق ليست منتخبة ولم تحظ بموافقة آخر برلمان ليبي وهو ما يسمى اليوم ببرلمان طبرق.

ثم ما هي الدول التي تعترف اليوم فقط بشرعية حكومة السراج؟ فحتى تلك التي تقرها باللسان لا تعمل على الميدان وفقها ولهذا لم يجد السراج إلا حليفا واحدا ذا وزن نسبي وهو أردوغان المتحالف دوما مع قطر فقط لا غير..

ثم عندما نتمسك بالشرعية الدولية كإطار عام لديبلوماسيتنا لماذا لا نعترف بوضوح بشرعية السيسي وبشار الأسد وحتى شرعية إسرائيل، مادامت كل هذه الشرعيات مستندة بدورها إلى الشرعية الدولية؟ !

أم نلجأ إلى الشرعية الدولية في ليبيا والى شرعية الثورة في مصر؟ !

كاتب هذه السطور لا يتعاطف مطلقا مع حكم العسكر ومع المغامرات العسكرية، ولكننا هنا لا نتحدث عن تحليل أشخاص أو مواقف أحزاب بل نحن نتحدث عن مواقف دولة ينبغي أن تؤسس على تصور واضح لمصالحها الإستراتيجية..

ماهي السيناريوهات المضرة بمصالحنا الإستراتيجية؟

- سقوط طرابلس في أيادي جيش حفتر لأن ذلك يعني موجة من الهجرة على حدودنا الشرقية غير مسبوقة مع ما قد يتسرب من فلول للجماعات الإرهابية إلى حدودنا ومن انتعاشة للعصابات الإجرامية على حدودنا أيضا.. فمن يبتهج سلفا بانتصار جيوش حفتر لا يقدر كل هذه المخاطر على ليبيا أولا وعلى تونس ثانيا.
- دخول مكثف للجيوش التركية لدعم حكومة السراج مع ما يعنيه هذا من إدامة للحرب ولمخاطرها اليومية ليبيا وتونسيا أيضا.. وكل حرب تشكل حاضنة محبذة لكل الجماعات الإرهابية.

لنا مصلحة واحدة وحيدة وهي العمل الفوري على خطة لوقف إطلاق النار ولمسار سياسي سلمي في ليبيا.. مسار لا يقصي أحدا لا حفتر ولا حكومة الوفاق، ولتونس هنا بعض الأوراق أهمها على الإطلاق حسن التنسيق مع الجزائر والعمل على إيجاد جبهة تونسية جزائرية نرجو أن تتسع للمغرب الأقصى، جبهة سياسية ولوجستية أيضا، فلو نعمل على إيجاد هذه الجبهة المغاربية وأن نوحد المواقف من الأزمة الليبية وكل تعقيداتها وان نفرض حضورنا الجماعي في كل حل سياسي سلمي في ليبيا، وهذا يفترض أننا نتحاور في نفس الوقت مع حكومة الوفاق وكذلك مع المشير خليفة حفتر وأن نقنع الطرفين بأن لهما مصلحة كبرى في علاقة جيدة مع الدول المغاربية.

بعبارة أوضح لا إشكال في القول بأننا نتمسك بالشرعية الدولية في ليبيا شريطة أن تكون لدينا علاقات متطورة مع طرف النزاع الثاني بل سيكون من المفيد بالنسبة لمعسكر خليفة حفتر أن يتعامل مع دول الجوار المغاربي رغم علمه بقربها النسبي من حكومة الوفاق إذ لا يعقد الصلح إلا بين «الأعداء» والصلح يحتاج إلى وسطاء ودول المغرب العربي هي الوسيط الأفضل لكل حل سلمي..

ولكن كل هذا يحتاج من تونس الى ديبلوماسية نشيطة ومدركة لكل هذه الرهانات الإستراتيجية وتعمل على حشد الدعم الإقليمي والدولي لهذا التصور وهو مازال غائبا إلى اليوم. وهذا الغياب - رغم الجهود النسبية المبذولة- هو الذي يفسر تغييب تونس عن مؤتمر برلين.

تحتاج بلادنا وبسرعة إلى التخلص من بعض الأوهام الدغمائية في التعامل مع الأوضاع الإقليمية المتحركة وان تبادر بسرعة إلى تشكيل حلف مغاربي موحد الرأي والموقف وقادر على الحد الأدنى من التحرك لضمان السلم المرجوة في ليبيا..

هذا هو المنتظر من حكام تونس اليوم وخاصة من رئيس الجمهورية رمز الدولة وقائد دبلوماسيتها بحكم الدستور..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا