تفاعــل «الشعب» مع حدث «تشكيل الحكــومة»

كان الإعلان عن التغيير الحكومي في عهود الاستبداد، مجرّد خبر قد يكشف ، في بعض الحالات، عن أسماء جديدة تنضمّ إلى الفريق

فتكون محلّ الرصد ليختبر أداؤها ، وقد يُعيد إلى الواجهة وزيرا من المغضوب عليهم قدّم الولاء والطاعة فـ«نال الصفح والغفران». ولم يكن البحث عن السير الذاتية يمثّل مشغلا لدى عامّة الناس فمن رضي عنه الحاكم هو بالضرورة في الخدمة. ولكن سرعان ما تغيّر سلوك التونسيين بعد ظهور ثورة الاتصال والتكنولوجيا، ونزوعهم نحو الاستقصاء «السياسي» فإذا بهم يبادرون منذ اللحظة الأولى التي يتمّ فيها تداول أسماء الوزراء ،بالبحث عن سيرة كلّ من عُيّن في منصب سياسيّ وسيلتهم في ذلك «الشيخ غوغل»، والفيديوهات المجمّعة في اليوتوب، والصور المتداولة، والنصوص والبيانات، والشهادات الخاصّة، وغيرها من الوثائق «المؤرشفة».

وقد ترتّب عن ذلك دخول «الشعب» على خطّ المواجهة مع رئيس الحكومة ولجوء الفايسبوكيين إلى استعمال سياسة تنشيط الذاكرة السمعيّة والبصريّة على حدّ سواء ولسان حال هؤلاء «إن كنت ناسي حفكّرك». فإذا قال رئيس الحكومة: اخترت وزراء مستقلّين «وتكنوكرات» أجابوه بالحجّة والدليل: كلاّ . وهذه صلة كلّ وزير بالنهضة.

فطارق ذياب لا يخفي ولاءه ولا صلة أسرته بهذا الحزب ودعمها له في أنشطة مختلفة . أمّا هادي خذيري فقد كان رئيس ديوان «نور الدين البحيري» . وإن قال «الجملي» وجدت صعوبة في العثور على الكفاءات النسائية واجهوه بقائمة في أسماء التونسيات المتميّزات وأثبتوا له بالحجّة أنّ من وزيراته من كانت مناشدة لبن عليّ أو محدودة الكفاءة. وإن زعم أنّ تأخّر الإعلان عن الحكومة كان سببه التحرّي في نزاهة بعض الشخصيات ردّوا عليه بالبرهان أنّ «وزير الشؤون الاجتماعية تلاحقه شبهة فساد: تشغيل أفراد من عائلته واستغلال نفوذ»، وإن تعلّل «الجملي» بأنّ تسمية كاتبة دولة غير معروفة لدى التونسيين بأنّها شابّة بوزيديّة ذكّروه بأنّ «منّ ماكرون» عليها باصطحابها معه في زيارة إلى تونس هو الّذي شفع لها وليست إلاّ بيدقا تسدي خدمة.

ولعلّ الأسئلة الجديرة بالطرح:
- كيف سيتعامل رئيس الجمهوريّة، وهو الّذي تموقع باعتباره رمز النزاهة و«الطهر»، ونظافة اليد وحامل لواء الإصلاح والتغيير والتصدّي للفساد والمحسوبيّة مع هذه الانتقادات ؟
- كيف سيتعامل رئيس الحكومة مع مواطنين لا يحترفون تلويث سمعة أعضاء الحكومة الجدد مثلما يذهب في ذهنه بل إنّهم يمارسون حقّهم في المساءلة والمحاسبة، ويضطلعون بدورهم في الشأن السياسيّ باعتبارهم شركاء في بناء الديمقراطية ومواطنين مسؤولين؟
- ما هو دور مختلف مكوّنات المجتمع بما فيها الأحزاب والجمعيّات وغيرها بعد استمرار صانعي القرار في الاستهزاء بإرادة «الشعب» الّذي أعلن في الانتخابات الماضية أنّه لن يقبل بالتلاعب بمطالبه وتزييف وعيه؟
- هل بالإمكان التغاضي عن «هذه التعبيرات» و الاستمرار في ممارسة سياسة «صمّ بكم لا يعقلون» والحال أنّ شخصيات وطنيّة لها وزن لدى الرأي العامّ قد وجّهت هذا الانتقاد ؟ بم سيجيب «الجملي» القاضية كلثوم كنّو حين صرّحت أنّ وزير العدل «كان ينفّذ التعليمات في عهد بن عليّ... وهو الّذي أصدر حكما بتعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة2000»؟
- ما هو تقدير «الجملي» لتكلفة تعيين أكثر من أربعين وزيرا وكاتب دولة في بلاد تأزّم وضعها ،وكادت الطبقة الوسطى أن تندثر، وارتفعت فيها نسبة الفقر، والحال أنّ المعدّل العالمي يسير في اتّجاه 25 وزيرا؟
لم نرغب في رصد مواقف الأحزاب داخل البرلمان وخارجه: المنتصرة والخاسرة فللأحزاب مواقف تراعي السياق الحاضر، والمصلحة وموازين القوى والأطماع المتقلّبة للزعامات وإنّما أردنا أن نلفت الانتباه إلى أزمة الثقة التي ترتّبت عن تشكيل الحكومة، وإلى التحوّل الحاصل في مستوى تفاعل التونسيين مع قرارات يتّخذها «الصانع». إنّنا أمام فاعلين أنهكتهم سنوات المسار الديمقراطي، وتراكمت لديهم الخبرات وما عادت ‹تنطلي› عليهم الحيل، وصار بمقدورهم أن يعرفوا ما وراء الخطاب، وأن يدركوا أنّ الحكومة نهضاوية بامتياز قد أمسكت بمفاصل الدولة، وهي تتفنّن في وضع الحُجب حتى تهرب من المساءلة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا