وأخيرا وبعد خلط الجدّ بما هو دونه الحبيب الجملي يعلن عن فريقه الوزاري: حكومة النهضة وقلب تونس ومن كل زوجين اثنين..

سيحتفظ «التاريخ الصغير» (ترجمة سيئة للتعبير الفرنسي La petite histoire) في ذاكرته القصيرة بتقلبات إعلان حكومة الجملي..

تقلباتها السياسية من حكومة أحزاب الخط الثوري إلى حكومة الكفاءات المستقلة والتي يرى فيها الكثيرون تسمية منمقة لحكومة التحالف بين النهضة وقلب تونس ثم تقلباتها المسرحية والرحلات المكوكية بين قصر الضيافة وقصر قرطاج والاعلانات المتناقضة بين رئيس الحكومة المكلف ورئاسة الجمهورية في مشهد يمسّ كثيرا من هيبة الدولة ومن سلاسة وعقلانية التعامل بين مؤسساتها الرئيسية..

بعد كل هذا وقبيل انقضاء الآجال الدستورية النهائية ستعرض حكومة الحبيب الجملي أمام مجلس نواب الشعب لنيل الثقة ولاستلام مهامها خلال الأسبوع القادم بعد نجاحها المفترض (؟) في الامتحان البرلماني.

الآن لدينا حكومة مقترحة بثمانية وعشرين وزيرا وبخمسة عشر كاتب دولة، تماما كما هي الهندسة الحالية لحكومة تصريف الأعمال، ونحن هنا أمام قرار سليم فأزمات البلاد الهيكلية لا تحتاج منا مغامرة جديدة بدمج وزارات لها تقاليد وثقافات وممارسات مختلفة مع العلم أن جل عمليات الدمج قبل الثورة وبعدها قد باءت بالفشل ولم تنجم عنها النجاعة المطلوبة..

هنالك حوالي نصف الوزراء وجلّ كتاب الدولة غير معروفين من قبل الرأي العام اذ جلهم اطارات ادارية عليا لم يُعرف عنها انخراط علني واضح في المجال العام وإن كانت المعلومات الموثقة التي تأتينا عن بعضهم تؤكد تقريبا الفكرة التالية: نحن أمام شخصيات مستقلة حزبيا ولكن حتى وإن لم تكن نهضوية الهوى في كل الحالات فهي متناغمة جدّا أو لديها قابلية التناغم مع الحزب الإسلامي صاحب التكليف.

النصف الثاني متكون من شخصيات معروفة بمقادير من الرأي العام ومن المتابعين للشأن الوطني بعضها كفاءات وطنية مشهود لها في مجال اختصاصها ولكن عدد هؤلاء الوزراء قليل وذلك بغض النظر على الميولات السياسية الواضحة لجزء منهم وبعضها الآخر نهضوي بوضوح واشتغل مع حكومات الترويكا بل ومع روابط حماية الثورة ولم يُعرف عنه انجاز يذكر في مهامه السابقة...

أما عندما ننظر إلى الألوان السياسية لحكومة الجملي فنجد أن اللون الأزرق النهضوي هو الطاغي بقوة مع وجود حمرة لافتة (لون نداء تونس) مع عدد غير قليل من التكنوقراط غير المسيسين، مبدئيا..

كل التحريات الأولية تفيد وجود عدد هام (ما بين الربع والثلث) ممن يمكن احتسابهم على الحركة الاسلامية بكل وضوح حتى وان لم يكن لديهم ضرورة بطاقات انخراط حزبية.

يوم أول أمس قال لنا السيد الحبيب الجملي أن النساء يشكلن حوالي 40 ٪ من حكومته ولكن عند التدقيق نجد أربع نساء في حقائب وزارية أي ما يمثل 14،3 ٪ من الوزراء.. أما الحضور النسائي فهو كثيف إلى حدّ ما في كتاب الدولة: ست نساء من أصل 14 ثم حتى عندما نحتسب كامل أعضاء الحكومة بالشكل الواسع من وزراء وكتاب دولة نجد أن النساء يمثلن 23،8 ٪ فقط فنحن كما ترون بعيدون جدّا عن 40 ٪ المعلنة من قبل رئيس الحكومة المكلف ذاته!!

نذكر كلنا الجدل الذي حصل حول وزارات السيادة وخاصة وزارتي العدل والداخلية وكيف أن التيار الديمقراطي قد طالب بهما باعتبارهما اليد الضاربة للدولة لمحاربة الفساد ولفرض سلطة القانون والحياد بهاتين المؤسستين الأساسيتين عن كل توظيف سياسي ولا نعتقد أن الشخصيتين المقترحتين ودون أن نشكك في نزاهتهما (وهما القاضيان الهادي القديري للعدل وسفيان السليطي للداخلية) سيكونان عنصر طمأنة لبقية المشهد السياسي وخاصة لخصوم الحركة الاسلامية والأكيد أن كل الأنظار ستتجه لهما خاصة في الملفات المتعلقة، خطأ أو صوابا، بحركة النهضة وخاصة في ما يسمى بقضية التنظيم السري.

مسألة أخيرة لفت نظرنا إليها صديق عارف بشؤون الدولة بعد الثورة وهو الترتيب البروتوكولي للحكومة إذ نجد مباشرة بعد وزراء السيادة الأربعة وزير الشؤون الدينية وهذا ما لم نشهده حتى في حكومات الترويكا ولا بعد الثورة ولا قبلها، والترتيب البروتوكولي للحكومة ليس جزئية لا معنى لها بل هو ترتيب يعكس الأولويات السياسية لكل حكومة.

في المحصلة لدينا حكومة متكونة من حزام سياسي نهضوي قلبي فيها عناصر مستقلة وفيها كفاءات ولكن مهجتها الأساسية نهضوية اما بالانتماء الصريح أو بالمسايرة والمصادقة أو حتى بالمهادنة..

ولكن هل نحن فعلا أمام حكومة كفاءات وطنية أي هل لدينا أفضل الكفاءات التونسية في مختلف الوزارات؟ الاستعراض السريع للاسماء يفيد بوضوح أن جزءا هاما من أفراد هذه الحكومة ينطبق عليهم مفهوم «اطارات عليا» ولكن «الكفاءة» مسألة أخرى.

السؤال الأساسي: من سيمنح الثقة للحكومة؟ النهضة وقلب تونس مبدئيا مع نواب مستقلين أو من كتل تقنية ويبقى السؤال قائما بالنسبة لائتلاف الكرامة فهل ستصوت هذه الكتلة مع قلب تونس؟ ووفق هذا القرار قد تمر الحكومة أو ربما لا تمر أو تمر بأغلبية طفيفة للغاية..

في بداية الأسبوع المقبل سنعلم أمرين اثنين: هل لحكومة الجملي أغلبية برلمانية أم لا وما هو الحزام السياسي الفعلي لها؟ وما بعد ذلك كله تفاصيل..

حكومة الجملي النهضوية قد ترى النور، وهذا ما نرجحه، وبعد ذلك سيتم الحكم على «حكومة الانجاز» بانجازاتها وبمدى قدرتها على مجابهة الملفات الكبرى المطروحة عليها اليوم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا