برلمان الإرادات المتضادة !

منذ بداية هذه السنة كنّا نعلم بفعل مختلف عمليات سبر الآراء والتي نشرناها تباعا في «المغرب» بالتعاون

مع مؤسسة «سيغما» الى حدود جويلية الفارط بأننا سنكون إزاء برلمان مشتت وأن الكتلة الأولى قد لا تتجاوز %20 من الأصوات بربع أعضاء مجلس النواب.. وهذا ما حصل فعلا في الانتخابات التشريعية الفارطة..

وكنا نخشى أيضا منذ أشهر طويلة بألا تكون هنالك أغلبية واضحة وطبيعية للحكم لا بفعل التشتت في هذه المرّة، ولكن بفعل التناقضات الواضحة بين جلّ الأحزاب التي ستحصل على كتل نيابية ..وهذا أيضا ما حصل بالفعل بعد الانتخابات..

خلال شهر واحد من عمل البرلمان الجديد وجدنا كل هذا شاخصا أمام أعين الجميع : أغلبيات متحولة حسب السياقات واستقطاب فات كل الحدود والبرلمان مازال يتفاعل فقط مع مشاريع قوانين أعدتها حكومة تصريف الأعمال وتتعلق كلها بالمصالح الحيوية للبلاد والعباد (قانون مالية تكميلي لسنة 2019 وقانونا المالية والميزانية لسنة 2020) والواضح أن الحكومة الجديدة سواء تلك التي سيتمكن من تشكيلها الحبيب الجملي – إن تمكن – أو تلك التي ستعود فيها المبادرة إلى رئيس الجمهورية لن تجد الأغلبية الطبيعية لتمرير مشاريع قوانينها العادية (أغلبية الحضور على ألا تقل عن ثلث أعضاء المجلس اي 73 نائبا) فما بالك بالقوانين الأساسية التي تحتاج إلى أغلبية أعضاء البرلمان لكي تمر (109 نائبا) هذا دون الحديث عن انتخاب المحكمة الدستورية وسائر الهيئات الدستورية أو التجديد الثلثي لأعضائها كما سيكون حال هيئة الانتخابات في جانفي القادم والتي تحتاج كلها إلى أغلبية ثلثي أعضاء مجلس نواب الشعب (145 ضوتا على الأقل) !!

الوضعية الحالية لمجلس نواب الشعب هي التالية :
- تحالف ثنائي صلب إلى حد الآن بين حركة النهضة وائتلاف الكرامة بـ75 نائبا ، اي حوالي ثلث البرلمان
- كتلة ديمقراطية بـ41 نائبا تضم أساسا التيار الديمقراطي وحركة الشعب وبعض المستقلين وهي تمثل حوالي %18 من المجلس
- كتلة تقنية بصدد التشكل بين قلب تونس والإصلاح الوطني والمستقبل(؟) بحوالي 62 نائبا وبوزن برلماني يضاهي %28
-كتلة الدستوري الحر ونوابها الـ17 والذين يفوق وزنهم السياسي بوضوح وزنهم الانتخابي
-كتلة تحيا تونس ونوابها الـ14 والتي قد تقترب بشكل أو بآخر من الكتلة الديمقراطية بطبيعة الحال لا يستبعد التقاء هذه الجبهات البرلمانية بصفة ظرفية حول منح حكومة ما الأغلبية أو حول تمرير قانون معين ولكن من غير المتوقع مطلقا أن يحصل تحالف دائم ومستمر على امتداد هذه الخماسية لأغلبية واضحة المعالم

تواضعت حول برنامج حكم فعلي،أي يتضمن جملة من الإصلاحات والتغييرات الملموسة بقطع النظر عن مدى ايجابياته للبلاد .

في جل ديمقراطيات العالم يؤدي وضع كهذا إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها عسى أن يعطي الناخبون أغلبية واضحة للحكم ولكن الاتفاق الضمني بين جل هذه الجبهات هو منع قيام هذه الإمكانية حتى لو لزم الأمر بمنح ثقتهم لحكومة سيعارضونها أثناء حكمها وذلك لأنه لا يوجد حزب واحد ضامن لديمومة كتلتها أو لتقويتها في صورة التجاء مجددا إلى صناديق الاقتراع خلال الأشهر القادمة ..

الأرجح إذن أن يستمر هذا البرلمان على حالته هذه لخماسية كاملة وان تكون الحكومات المتعاقبة خلالها في وضع هشاشة مستمرة وان تستجدي في كل مرة جبهة من هذه الجبهات للتحالف مع الجبهة الاسلاموية (النهضة مع الكرامة) لتمرير قوانينها ..

قلنا الحكومات المتعاقبة لأننا لا نعتقد أن هنالك حكومة واحدة قادرة على الصمود خلال خماسية كاملة خاصة عندما ستحتد الأزمات الاقتصادية بحكم عدم قدرة أية حكومة على التوفيق بين هذه الثلاثية : تلبية مطالب الناس والقيام بالإصلاحات والتحكم في التوازنات المالية للدولة.

والجديد كذلك في هذا البرلمان أننا سنكون في حملة انتخابية مستمرة على امتداد هذه السنوات الخمس ، وهذا لن يكون حكرا على كتلة الدستوري الحر بل ستشاركها فيه كل الاحزاب التي تريد ان تجعل من هذه الخماسية منصة انطلاق لها لتثبيت موقعها وتعزيزه والاستعداد لقطف الثمرة سنة 2024..فقط الاستراتيجيات هي التي ستختلف من الضدية الكلية والشاملة للحزب الدستوري الحر تجاه حركة النهضة وحلفائها الاستراتيجيين (ائتلاف الكرامة) او الظرفيين (التيار الديمقراطي وتحيا تونس وقلب تونس بالأساس) أو إظهار النفس في موقع القادر على التجميع والمغلب للمصلحة العامة وفي هذا سيتنافس كل من التيار الديمقراطي وحركة الشعب وتحيا تونس من جهة وقلب تونس من جهة أخرى ..

الأساسي في كل هذا أن موعد الانتخابات التشريعية القادمة (مبدئيا سبتمبر أو أكتوبر 2024) سيكون حاضرا وبقوة في كل نقاش وفي كل تصويت وفي كل الملاسنات – وما أكثرها- القادمة ..

حركة النهضة لن تخرج بدورها من هذا الصراع الانتخابوي السابق لأوانه ولكن مشكلتها الكبرى هي إيقاف نزيف الأصوات الذي ما فتئ يلاحقها منذ سنة 2014 إذ فقدت ثلثي ناخبيها وحوالي 940.000 صوت من التأسيسي في 2011 إلى تشريعات 2019 وما تخشاه الحركة الإسلامية هو مواصلة هذا النزيف وتسارعه في الانتخابات القادمة خاصة لو عادت الى الناخبين بحصيلة حكومية هزيلة اقتصاديا واجتماعيا فما بالك لو تردت أوضاع البلاد أكثر !! وهذا ما يفسر محاولة قيادات مون بليزير (المقر المركزي للنهضة ) للعب على كل الأوتار من الثورة إلى الهوية إلى المصلحة الوطنية والرمي بالقاء اللائمة على كل خصومها وأعدائها ..

السؤال الأهم في هذه الوضعية الشائكة هو هل سنجد جبهة سياسية أو كتلة تلعب دور الوساطة وتهدئة الأجواء وتغليب الأهم على المهم والبحث عن التوافقات الضرورية لتمرير القوانين وخاصة لاستكمال بناء وتجديد المؤسسات الدستورية ؟

ولكن يستدعي هذا الدور ألا تكون هذه الكتلة أو هذه الجبهة في خلاف حاد مع أحد وأن يكون لديها نوع من المقبولية السياسية لدى الجميع ..ثم أن تعتقد هذه الكتلة أو الجبهة أن هذا الدور سيكون مربحا انتخابيا في النهاية لا انتحارا سياسيا بطيئا لا تستفيد منه إلا الكتل المتضادة كليا ؟ !
خماسية غريبة هذه التي نستهلها فقد تتفاقم فيها كل الأزمات وقد يعاقب في نهايتها الناخبون الجميع دون تمييز ..

فعلا جهنم مبلطة بالنوايا الحسنة ..أما طريق الخلاص فيحتاج إلى مجهود استثنائي من الجميع ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا