بعد إعلان حركة الشعب والتيار الديمقراطي عن عدم مشاركتهما في حكومة الجملي: النهضة والتحالف الخجول مع قلب تونس

حصل يوم أمس ما كان متوقعا منذ البداية: حركة الشعب والتيـــار الديمقراطي سيكونـــان خارج الائتلاف الحكومـــي القادم، وحركة النهضة

التي تشتغل منذ البداية على خطة بديلة ستتحالف «مكرهة» مع من أكدت مرارا وتكرارا أنها لا ولن تتحالف معه : قلب تونس وهكذا سيتشكل الحزام السياسي لحكومة الحبيب الجملي المرتقبة ،على الأرجح، من عمود فقري يتكون من الثنائي النهضة وقلب تونس (38+54=92 نائبا) مع أجنحة متنوعة: ائتلاف الكرامة (21 نائبا) وغالبية كتلة الإصلاح الوطني (حوالي 10 نواب ) وكتلة المستقبل (9 نواب ) مع بعض المستقلين بما قد يعطينا أغلبية حكم بحوالي 135 نائبا، هذا بالطبع لو لم تتصدع كتلة ائتلاف الكرامة على خلفية التحالف مع قلب تونس وإن كان الأرجح أن جل نوابها سيتصرفون مع هذه الأغلبية الحكومية كما تصرفوا قبلها مع الأغلبية البرلمانية ، أي التصويت لها مع تمسكهم بعلاقة عدائية مع قلب تونس.

قلنا بأن هذه الوضعية منتظرة جدا لا فقط بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية بل منذ الحملة الانتخابية «الساخنة» والنابية بين الحزبين وأن الصراع الأساسي بينهما كان فقط حول تصدر المشهد السياسي لافتكاك المبادرة وللتحكم – ولو النسبي – في مآلات تشكيل أغلبية الحكم القادمة ..

لاشك أن هنالك فوارق إيديولوجية وسياسية هامة بين النهضة وقلب تونس ولكنهما متقاربان جدا من حيث تصورهما للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الممكنة،تماما كما كان الحال بين النهضة والنداء ،ثم تحيا تونس في الخماسية المنقضية .

في المقابل لا وجود لنقاط التقاء كثيرة بين النهضة وأحزاب ما سمي بالخط الثوري في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتحالف معها - خاصة التيار وحركة الشعب – مهدد بالانفجار في كل خطوة سواء أتعلق الأمر بسياسات عمومية جدية وحازمة أو بالتعيينات في الوظائف العليا للدولة ..

التيار وحركة الشعب سيكونان حليفين ثقيلين على النهضة بينما مطالب قلب تونس اقل سقفا بكثير وهي تتعلق بالأساس بعدم عزل هذا الحزب أو استهدافه أو استهداف رئيسه أو كتلته على امتداد هذه الخماسية ، وهذا ما نعتقد انه تم الاتفاق عليه في اللقاء الانفرادي بين راشد الغنوشي ونبيل القروي ليلة التصويت على رئاسة البرلمان ،فالاتفاق بين الرجلين لا يمكن أن ينحصر فقط في مسالة رئاسة المجلس بل هو التوضيح بالحروف الأولى، كما يقال، على خطة هدنة ومهادنة بين الحزبين والكتلتين والرئيسين على امتداد هذه الخماسية ،بما في ذلك ضرورة إنجاح حكومة النهضة وتجنب المرور الى رئيس الجمهورية وخاصة قطع الطريق أمام أي احتمال لانتخابات تشريعية سابقة لأوانها لان في ذلك ضررا كبيرا للحزبين معا خاصة أمام احتمال بروز «حزب الرئيس» كمنافس قادر على إحداث تغيير جذري في التوازنات السياسية الحالية .

وهكذا يتضح أن أحزاب «الخط الثوري» كان تكتيكا نهضويا المراد به الركوب على موجة صعود نجم قيس سعيّد من جهة والتقليص قدر الإمكان من تهرئة القاعدة الانتخابية النهضوية لا كما سوقت له الحركة الإسلامية : استبعاد أحزاب الفساد والاستبداد.

تبقى الآن معضلة التسويق السياسي والاتصالي لهذا الانقلاب الظاهر في تحالفات النهضة ووجودها قبلها وبعدها بـ180 درجة .. كيف ستبرر قيادة «مون بليزير» (المقر المركزي لحركة النهضة ) وضع اليد في اليد مع من اتهمتهم بالفساد والتحيل على القانون والأخلاق ؟ بمكابرة أحزاب «الصف الثوري» ؟ سيكون هذا التبرير أوهن من بيت العنكبوت لان لا شيء يفرض على حزب يدعي تمثيل الثورة والانخراط الكلي في مقاومة الفساد أن يتحالف مع من قدمه كنقيض مطلق لهذه القيم ، فالواقعية السياسية إذا تحولت الى قبول الشيء ونقيضه تصبح انتهازية فقط لا غير ..

نراهن من الآن بان حركة النهضة - أو الخط المهيمن داخلها على الأقل – ستجد تدريجيا خصالا فاضلة لحليفها الجديد كالوعي الحاد بالمسألة الاجتماعية وكوجود كفاءات عالية ونظيفة اليد في حزب قلب تونس وروح مسؤولية ووطنية لا يشق لها غبار ..

هذا التحالف النهضوي القلبي والذي ستتضح أشكاله وصيغه تدريجيا قبيل وأثناء الإعلان الرسمي عن حكومة الحبيب الجملي سيغير بصفة جذرية الخارطة السياسية وتوازناتها وخاصة داخل مجلس نواب الشعب، وأولى هذه الاستتباعات التقارب المتزايد بين حركة الشعب وخاصة التيار الديمقراطي من جهة وحركة تحيا تونس من جهة أخرى والتي ستمثل معا ما يمكن أن نسميه بمعارضة وسط اليسار للحكومة القادمة وللتحالف السياسي الذي ستتأسس عليه ونحن هنا أمام 55 نائبا أي أكثر من ربع مجلس نواب الشعب ،في حين ستبقى كتلة الدستوري الحر ونوابها السبعة عشر المعارضة الأكثر شراسة للحكم «تنظيم الإخوان» ولحلفائه ممن «قلبوا الفيستة» وهاتان المعارضتان تمثلان لوحدهما ثلث مجلس نواب الشعب .

موقف ائتلاف الكرامة ونوابه الـ21 سيكون محددا لمستقبل حكومة الحبيب الجملي فهل سيستمر في ولائه غير المشروط للنهضة ؟ أم سيعتبر أن وجود قلب تونس في أغلبية الحكم عنصر كاف للتمرد على «الأخ الأكبر» ؟

في الأثناء سيفقد الحبيب الجملي ما بقي له من هامش تحرك سياسي لأن المسألة أضحت حيوية بالنسبة لحركة النهضة والأكيد أن راشد الغنوشي هو الذي سيقود بنفسه – ولو من وراء حجاب – المفاوضات المقبلة حتى يضمن حكومته نيل ثقة برلمان قبل موفى هذه السنة ..

أما الإشكال الرئيسي بالنسبة للبلاد سيكون أفق عمل الحكومة القادمة وقدرتها لا على الإصلاح بل على مجرد الحكم والتسيير اليومي لشؤون الدولة...

في هذه المناخات السياسية يصبح الفشل هو الأفق الأقرب لحكومة الجملي وتصبح أشهرها معدودة حتى قبل ميلادها ..

هذه هي بدايات هذه المرحلة الثانية من الانتقال الديمقراطي ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا