ثلاثة أسابيع بعد تكليفه بتشكيل الحكومة: هل بدأت السحب تدلهم أمام الحبيب الجملي ؟

لا نعتقد أن عاقلا واحدا يتمنى فشل الحبيب الجملي رئيس الحكومة المكلف أو فشل حكومته لو تسنى لها أن ترى النور وذلك أيا كان

الموقف من الرجل ومن الجهة المرشحة له لأن فشله أو فشل حكومته لا يعود فقط عليه وعلى الفريق الذي سيكونه بل على البلاد قاطبة وعلى مستقبل بناتها وأبنائها ..

وما نقوله عن الحبيب الجملي وعن حكومته المرتقبة، نقوله عن كل حكومة تأتي بواسطة الصندوق أيا كان لونها السياسي لأن كل يوم فشل ستدفع المجموعة الوطنية ثمنه غاليا اليوم وغدا..

لكل هذه الأسباب لم نرد الحكم على الرجل وعلى المنهجية التي اتبعها بصفة قبلية ولكن اليوم وبعد مرور ثلاثة أسابيع عن زمن التكليف لا مناص من الإقرار بأننا إزاء بعض التخبط والاضطراب وأن عناصر الفشل (بمعنيي الكلمة) أصبحت اليوم هي الأقوى.. والمسألة لا تتعلق بالشخص وبخصاله الفردية بل بالسياقات السياسية الحافة بكامل مسار تشكيل الحكومة هذا..

في البداية لابد من الإقرار بوجود ظرفية صعبة للغاية وجد فيها نفسه الساكن المؤقت لدار الضيافة وهي عدم الوضوح التام للحزام السياسي الذي سيدعم حكومته لا فقط لنيل ثقة البرلمان بل وعلى امتداد كامل فترة حكمه المفترضة.. وهذه الوضعية لم يشهدها أي واحد من سابقيه إذ تشكلت أغلبية الحكم من الثورة إلى الآن دوما قبل تكليف رئيس الحكومة، والاستثناء الوحيد كان في الأسابيع الأولى بعد تكليف الحبيب الصيد عندما بحث عن ائتلاف حكم لا يضم النهضة، وبعد ذلك تم العدول عن هذه الفكرة وعرفت البلاد عهد «التوافق» وما كان على رئيس الحكومة المكلف آنذاك سوى البحث عن تشكيلة وزارية منسجمة مع طبيعة الائتلاف الحزبي القائم والذي تعهدت به دوما الجهة المكلفة أي الحزب الفائز في الانتخابات..

في هذه المرة جهة التكليف، حركة النهضة،تقول مع من لا تريد أن تحكم،في الظاهر على الأقل، أي مع قلب تونس والدستوري الحر ولكنها لا تقول مع من ستحكم لأنها لم تتمكن خلال كامل الفترة الفاصلة بين الانتخابات التشريعية في 6 أكتوبر ويوم التكليف في 15 نوفمبر من إبرام اتفاق حول الائتلاف الحزبي القادر على حكم البلاد، فوجد الحبيب الجملي نفسه دون العمود الفقري للمهمة التي أنيطت بعهدته فراح يبحث يمينا وشمالا عند كل كتل المجلس عمّن يقبل بالعمل معه وهنا اصطدم باللاءات المتضاربة لكل الشركاء المحتملين لحركة النهضة..

ففي كل مرة يخرج رئيس الحكومة المكلف في وسائل الإعلام ليتحدث عن تقدم في المشاورات تأتي ردود فعل الأطراف المعنية لتقول بأن الأمر يراوح مكانه وان احتمال الإخفاق أقرب من احتمال النجاح. وكنتيجة حتمية لهذا التذبذب يفقد الحبيب الجملي يوما بعد آخر هامش الاستقلالية الذي ما فتئ يحرص على التأكيد عليه في كل لقاءاته، والسبب واضح: جهة التكليف، حركة النهضة، هي وحدها الجهة الداعمة للجملي فجاء «برنامجه» استئناسا شبه كلي بوثيقة النهضة ولاءاته متطابقة بالكلية مع ولاءاتها وخاصة في ما يتعلق بتحييد وزارات السيادة ولاسيما الداخلية والعدل بل واقتراح شخصيتين مستقلتين على رأسيهما تشير كل الدلائل إلى قربهما الكبير من الحركة الإسلامية..

رغبة جهة التكليف، والتي أصبحت بدورها رغبة رئيس الحكومة المكلف ،هي تكوين ائتلاف حكومي بهندسة متغيرة تكون أطرافه الظاهرة حركة النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وتحيا تونس (111 نائبا) مع جناحين متفاوتي البروز: دعم دون مشاركة مباشرة مع ائتلاف الكرامة (21 نائبا) ومشاركة غير مباشرة مع دعم نسبي من قلب تونس إما بجميع نوابه الـ38 أو بما دون نصفهم (18) بما يضمن للنهضة ولحكومتها فرصا للمناورة وألا تكون مرتهنة بالثنائي التيار وحركة الشعب.

ولكن وكما يقول المثل التونسي «اللي يحسب وحدو يفضلّو» فالتكتيكات المتحولة للنهضة وخاصة منها رفض التعامل مع قلب تونس في العلن والتوافق معه في السر، هذه التكتيكات مفضوحة للجميع ونتجت عنها ردة فعل عكسية فتقارب التيار الديمقراطي مع حركة الشعب ثم تحيا تونس وأضحت هذه الأحزاب الثلاثة المفترض شراكتها مع النهضة تنسق في ما بينها وتفشل تباعا إستراتيجية النهضة المتلونة والمتحولة فكانت النتيجة أن راوح رئيس الحكومة المكلف مكانه وعجزه –إلى حد الآن– عن لعب دور المجمع وعلى حسم مسألة الحزام السياسي بعد ثلاثة أسابيع من التكليف..

عدم الحسم في مسألة الحزام السياسي يتزامن مع ضبابية الرؤيا في ما يتعلق بالاختيارات الكبرى للحكومة القادمة القاطعة والحاسمة فمازلنا إلى اليوم تحت يافطة الشعارات العامة التي رفعتها كل الحكومات من الثورة إلى الآن : مقاومة الفقر والفساد وتحسين ظروف عيش المواطن والعدالة الاجتماعية والجبائية.. ولكن ماهي الاختيارات والقرارات الدقيقة في الأسابيع الأولى للحكم؟ وهل يوجد اتفاق حولها بين مكونات هذا الحزام السياسي المفترض؟ أم أننا سنذهب إلى مجلس نواب الشعب بتمنيات حلوة قصد نيل الثقة ثم التصرف اليومي في شؤون البلاد دون الجرأة على فتح أي ملف كبير بحجة تجنب الخلاف وتصدع ائتلاف حاكم لم يتأسس – هذا إن تشكل- على الوضوح اللازم بصفة قبلية؟!

عشرة أيام تفصلنا عن نهاية المدة الدستورية للتكليف وقد يضطر الحبيب الجملي إلى الاستعمال الجزئي أو الكلي للشهر الثاني والأخير ولكن دون حسم واضح وصريح للحزام السياسي وللبرنامج التفصيلي للإجراءات الكبرى لن نكون أمام حكومة، لو تشكلت، قادرة فعلا على حكم البلاد..

لا نخال رئيس الحكومة المكلف غير مدرك لكل هذه الرهانات ولكن هل سينجح في فرض الشروط الدنيا للنجاح ام سيترك المقود الفعلي للنهضة ولرئيسها؟

سنعرف الجواب بعد أسابيع قليلة..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا