تداعيات الإكراهات المالية على القضاء

رغم اعتراف كل الاطراف السياسية وكل المنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني بأن صورة القضاء لدى العام والخاص داخليا و دوليا ،

هي المرآة الّتي تعكس حقيقة دور الدولة ونظامها السياسي في حماية الحقوق والحريات وضمانها إلا أن هذه الصورة لا يمكن أن تخدع، لأنها محكومة بقوانين وضوابط معلومة، يكفي هتكها وغياب ردعها، لإهتزاز الطمأنينة والتزام الإستنفار والتحسب.

ولكن ما لاحظناه طيلة السنوات الماضية أن القضاء بقى خارج أولويات الحكومات المتعاقبة، وتحوّل الفتور إلى مكونات السلطة الثالثة والمشاركين فيها وفي روافدها.

لا نعني بذلك مستوى الخطاب أو النوايا المعلنة أو ترسانة القوانين المشرعة، وإنّما نعني التطبيق و ترجمة الشعارات والمبادئ على أرض الواقع بدءا من إرادة الدولة في تطوير البنية الأساسية و في توفير الموارد المالية و كيفية استنهاض الموارد البشرية وتكوينها ورسكلتها ليرتقي القضاء إلى منصة الأداء المتطور الناجز والعادل.

وبالرجوع إلى مشروع ميزانية 2020 يتّضح مّما تمّ رصده لوزارة العدل أن الماسكين بالسلطة ليست لهم نية جادة في إصلاح القضاء من حيث الحاجيات ومستلزمات العمل، والبنية الأساسية.

هذه البنية توسعت بإحداث محاكم جديدة ولكن لم يقع التهيؤ لإعداد الموارد الكافية بشريا وماديا وتوفير ظروف عمل توفر الحد الأدنى لما يقتضيه العمل القضائي. وهذا الوضع ليس وليد اليوم بل حالة تتكرّر منذ سنوات، إلى درجة أن الحركة القضائية الأخيرة لم يقع نشرها بالرائد الرسمي نظرا إلى عدم ختمها من رئيس الجمهورية منذ أوت 2019، و هي طريقة وقع اللّجوء إليها ، بسبب الإكراهات المالية الّتي تقتضي توفير الموارد لمجابهة نفقات الترقيات الّتي تصبح واجبة بداية من تاريخ النشر بالرائد الرسمي.

كما أن ضعف الموارد أدّى إلى عدم تمتيع 73 قاضيا من المتخرجين الجدد من المعهد الأعلى للقضاء بحقوقهم المالية كما أوضح ذلك رئيس جمعية القضاة، وهو ما يؤشّر على الصعوبات الّتي تعيشها خزينة الدولة بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة.

لا شك أن الموارد المالية الضرورية لتحسين ظروف العمل لا تفي بالحاجة، وهو ما يجعل الأداء مهزوزا والخدمات متدنية. وما زاد الطين بلّة أن النسق في إحداث محاكم جديدة لم يسايره الرفع في الإعتمادات وتوفير الزاد البشري الكافي من قضاة و كتبة و إداريين، ممّا أدى إلى اللّجوء إلى التقليص من هذا الزاد في المحاكم القديمة على ما تشكوه من نقض، لمجابهة الحاجيات الجديدة.

إن الماسكين بالسلطة و الطامحين لمسكها لم يضعوا ضمن اولوياتهم إصلاح القضاء الّذي به تُبنى دولة القانون المؤسسّات، الأمر الّذي يشجع على الإستثمار والعمل والمثابرة فيه.

فلا يكفي أن يقر الفصل 102 من الدستور بأن «القضاء سلطة مستقلّة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات... وأن القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون»، لنسلّم بحصول الإصلاح المنشود، لا بد من توفر مستلزمات تكريس هذه المبادئ من بنية أساسية و زاد بشري وقدرات ذاتية وإرادة قوية، وقوى اجتماعية دافعة ومحصّنة للخيارات الدستورية.

لذلك نعيد و نكرّر أن أوضاع القضاء في حاجة إلى الإصلاح الفوري لاسترجاع ثقة المواطن و إعادة اهتمام الأطرف المتدخلة بهذا الشأن، الّتي «استسلمت» وأصبحت تجاري السائد، بمفعول آليات التهرئة الّتي طالت كل الطاقات الحية النظيفة والكفاءات النزيهة المتمسكة بقيم الحق والعدالة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا