الشجاعة في مواجهة الظاهرة: العنف ضدّ النساء والسياسة

ما الّذي يجعل النساء ينتفضن في كلّ أنحاء العالم ويقرّرن الخروج إلى الفضاء العموميّ للتعبير عن مشاعرهنّ ومواقفهنّ بكلّ هذا الإصرار؟

ما الّذي يدفع ضحايا كلّ أشكال العنف إلى البوح وتعرية المستور وفضح المعتدين، والمتواطئين بلا خجل أو خوف؟ لم قرّرت النساء في أغلب البلدان التعبير عن سخطهنّ على الأنظمة السياسية المسنودة بالأنظمة البطريكية، وتوجيه انتقاد شديد لفئة من السياسيين والبرلمانيين، والقضاة، والأمنيّين، والإعلاميين..؟

لقد انتقلنا من شعار ميّز الحملات السابقة: «كفى عنفا» إلى شعارات تطالب بإنهاء العنف: «أوقفوا العنف ضدّ النساء» «لا عنف بعد اليوم» وتبعا لذلك تنوّعت أساليب الاحتجاج من رقص ودهن الوجه باللون الأحمر (الشيلي)إلى (لبس السواد) المكسيك وأوراغواي) إلى دهن الفم بالبنفسجي(الأرجنتين) إلى رفع أواني الطبخ ومضخمات الصوت(تونس) إلى الهتاف بالحريّة(السودان)... ولكنّ المشترك بين جميع نساء العالم ومن آزرهنّ من الرجال المدافعين عن حقّ الإنسان في الحياة، هو إرادة الخروج من وضع ما عاد بالإمكان تحمّله بعد أن بلغ منسوب العنف حدّا غير مسبوق في تاريخ الإنسانيّة.فحسب إحصاءات الأمم المتحدة لسنة2017 تجاوز عدد القتيلات 87000 فتاة وامرأة.

ولئن كان من الضروريّ البحث في أسباب ارتفاع حالات الاعتداء الوحشيّ على النساء والنظر في أشكالها «المبتكرة» فإنّ الحيّز المتاح في هذا المقام لا يسمح لنا بالتوسّع في هذه الظاهرة المستشرية ولذا ارتأينا أن نتوقّف عند البعد السياسيّ لهذه المسيرات.

إنّ تحرّكات النساء لا يجب أن تُنزّل في إطار مناسباتي: نتحدّث عنها في نشرات الأخبار أو في بعض البرامج الحوارية فيكون التعاطف الفوريّ ثمّ ننتقل في اليوم التالي للنظر في تشكيل الحكومة وأجندات الأحزاب... بدعوى أنّ هذا الموضوع هو الأهمّ فالسياسة قائمة على العقل لا العاطفة. فهذا الفصل بين السياسي والاجتماعي يعدّ في تقديرنا ،حجّة على التنصّل من المسؤولية ذلك أنّ العنف ضدّ النساء ليس معزولا عن التدبير السياسي بل هو في علاقة عضوية بالنظام السياسي، وطريقة تصوّر الحكومة للسياسات وصياغة التشريعات ومدى قدرتها على تطبيق القانون ومنع حالات الإفلات من العقاب ووقوفها ضدّ التواطؤ البطريكي، والخطاب السياسي المهين للنساء،و توظيف النساء في الانتخابات، والتلاعب بتمثيليتهنّ وحقّهن في تولّي المناصب القيادية، وتطبيق التناصف الأفقي والعمودي،... ومادام العنف ضدّ الفتيات، والصبيان والنساء يتقاطع مع الفقر والعرق والدين والأيديولوجيا وغيرها من المكوّنات فإنّه في قلب التفكير في إدارة البلاد وحلّ الأزمات لأنّ كلّ شيء هو سياسة All is politics.

ثمّ إنّه لا يُقبل أن ينظر إلى مسيرات النساء على أنّها «آخر صيحة من صيحات الموضة» ومحاولة لإحداث الضجيج، وبحث عن المرئية ورغبة في عرض الذات في الشارع ولفت الانتباه ومسرحة الألم ومحاولة تجاوز الصدمات لأنّ الحكم عليها من خلال هذه الزاوية، يجعلها عابرة ومفرغة من طاقة التأثير والفعل في الواقع وفي البنى الذهنية ويقلّل، في ذات الوقت، من شأن ما يترتّب عن العنف من نتائج.

ولأنّ المواطنات يصنعنّ اليوم رؤاهنّ وتصوراتهنّ للعالم، ويضغطنّ في كلّ المنابر من أجل بناء مجتمع متوازن يقرّ بحقّ الجميع في الحياة بكرامة، وتؤنسن فيه العلاقات الجندرية فإنّ خروجهنّ هو مساءلة ومطالبة بالمحاسبة: أين هي دولة القانون؟ وأين هو التزام الدولة بحماية حقوق المواطنات وتطبيق القانون ؟ ولم يبدو تنفيذ القوانين متعثّرا؟ ولم تتدخل الأيديولوجيا السياسية أو الدينية في القضاء فلا يحكّم بعض القضاة ضمائرهم بل ينتصرون لذكوريّتهم وينحازون لخدمة الامتيازات الذكورية؟ لم ينتصر التضامن الذكوريّ على حساب العدل؟

إنّ خروج النساء معناه معارضة أشكال الوعي السائد لدى النخب والجمهور على حدّ سواء . إنّه مقاومة لعنف بنيويّ ترسّخ من خلال التنشئة الاجتماعيّة المعطوبة ومناهج التعليم التمييزية، وتأبّد بوسائل أيديولوجيّة وبُرّر بنصوص دينيّة، وصانته مؤسسات تعليمية وثقافية وروّجت له وسائل إعلاميّة ودخلنته فئة من النساء فصار بذلك أخطبوطا مرعبا وماردا جبّارا.

أن نموت من أجل إيقاف العنف أفضل بكثير من الخضوع لأنظمة سياسية بطريكية الهوى تغضّ الطرف عن فئات تنتهك الحقّ الطبيعيّ في الحياة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا