هل تضيع تونس بين أولويات حكوماتها وأولويات أحزابها وأولويات مواطنيها ؟ !

لم يكد يمر أسبوعان على تكليف الحبيب الجملي بتشكيل الحكومة الجديدة إلا وكانت علامات القلق والضجر والخوف بادية على الجميع،

قلق من طول المشاورات واتساع رقعتها السياسية. بما قد يحد كثيرا من مقروئية تمشي رئيس الحكومة المكلف وخوف أو تخوف من إعادة تكرار سيناريوهات الفشل بحكومة ضعيفة لا يتجه عزمها إلا الى العاجل من القضايا مقسمة بين حصص الأحزاب المشكلة لها وغير قادرة على الإقدام على الإصلاحات الضرورية للبلاد، حكومة سرعان ما قد تطالب الأحزاب المشكلة لها بتغييرها وبالدعوة إلى «باردو1» بدلا من قرطاج واحد في حركة يائسة لاستعادة بريق أمل قد يكون حينها في اضعف حالاته.

لو كانت تونس محل متابعة مكثفة من قبل كائنات عاقلة غير بشرية لاستحال فهم ما يجري فيها، وذلك لأن الأساسي في مجريات الامور عندنا لا يحتكم الى العقل البارد والحساب المجرد والتقدير غير المسكون بالعاطفة للمصالح الفردية والفئوية والجماعية.

ولو كنا اكثر تفاؤلا وتسامحا لقلنا بأن البلاد تحكمها معقوليات مختلفة، متناقضة ومتضاربة لا ينتج عنها خيط جامع ولا مصلحة عامة متفق عليها.

مازلنا لا نريد أن نرى في بعضنا البعض شركاء في الوطن بل أعداء فيه وعليه او خصوم لا جامع بينهم ومازلنا نبحث عن خطوط «الفرز» والتقسيم والحشد الإيديولوجي لتبرير تناحراتنا الوهمية في عالم المشهدية «السياسو اعلامية».. مازلنا نريد العيش وفق المفهوم القبلي القديم « السلم في الداخل والحرب في الخارج».
الإشكال ليس في غياب الأولويات بل في كثرتها وتناقضها وعدم وجود أولويات جامعة إلا على مستوى الشعارات المرفوعة فقط لا غير، فحتى ما نعتقد انه مجمع لنا اليوم كمحاربة الفساد أو إصلاح التعليم أو النهوض بالجهات المهمشة أو إنقاذ المالية العمومية أو إنعاش الاقتصاد لا يتجاوز في الحقيقة الحروف والكلمات التي يكتب بها كما ان كل طرف يرتاب من نفس الشعار لما رفعه منافسوه السياسيون والعقائديون..

ما هي أولويات الحكومات المتعاقبة إلى حد الآن ؟
وما هي أولويات الحكومة القادمة والتي قد تليها ربما؟ ارضاء حزامها السياسي بمحاصصة تضمن توزيع فوائد السلطة ومناصبها من جهة ثم إطفاء الحرائق الاقتصادية والاجتماعية المشتعلة هنا وهناك ..

الهاجس الأكبر لكل حكومات ما بعد الثورة وخاصة منذ سنة 2014، اي بعد أن استنفدنا جل مخزوننا المالي هو الإيفاء بتعهداتها الملحة من خلاص أجور موظفيها وجرايات متقاعديها وسداد خدمة الدين العمومي وتحسين استخلاص الجباية واللجوء إلى الاقتراض الداخلي وخاصة الخارجي لسد الثغرات المتعاظمة بين المداخيل ومجالات الإنفاق المختلفة مع الحفاظ ما أمكن على السلم الأهلية بالزيادة في الأجور وبالحلول الجزئية لبعض الجهات والفئات.

وفي المقابل تكون أولويات الأحزاب حتى تلك التي تدعم الحكومة في عالم آخر لا علاقة له بالتسيير الفعلي للبلاد فهي تتناحر – إلى حد الآن على الأقل – على اقتطاع حصصها في التسميات والتعيينات ثم ينصب تفكيرها على خدمة شبكاتها الزبونية، طريقها الملكي - بحسب اعتقادها – لضمان ديمومتها في الحكم فلا تراها تعمل على تطوير أفكار جديدة أو تحيين تصوراتها لمشاكل تونس ،فهذا الكل لا يعنيها إلا بقدر ما تقدر أنها قادرة على الاستفادة منه انتخابيا ..

أما بقية المواطنين فأولوياتهم مرتبطة بصفة هيكلية بوضعياتهم الاقتصادية والاجتماعية والاعتبارية والكل يريد تحسينها ويراها أولوية الأولويات وانه على الدولة توفير ظروف تحقيقها من العاطل عن العمل إلى صاحب اكبر مؤسسة اقتصادية بالطبع هموم مشتركة – إلى حد ما – كالضغط على الأسعار وتحسين الخدمات العمومية والأخذ ما أمكن من الدولة ودفع اقل ما يمكن لها..

لاشك أن هنالك بعض المبالغات في ما قلنا، ولكنها مبالغات ضرورية للنمذجة (modélisation) كما يقول فلاسفة العلوم أي لفهم بعض دوافع الأولويات المتناقضة في البلاد والتي تمنع –الى اليوم – توجيه كل الجهود في البلاد إلى الأولويات الوطنية المشتركة وهي وحدها التي تسمح بتوفير شروط الإمكان في التفكير في الإصلاحات الجوهرية طويلة المدى التي يجب أن نحول بها منوالنا التربوي بداية ومنوالنا الاجتماعي والاقتصادي ثانيا ونظرتنا لأنفسنا وللعالم ثالثا..

مازلنا نعيش في تونس اليوم تحت شعار الوحيد الجامع وهو المراهنة على الفشل المتبادل اعتقادا منا انه هو وحده الكفيل لتأسيس نجاحنا المحتمل ..

عندما نتحول إلى المراهنة على النجاح المشترك، عندها، وعنده فقط تبدأ تونس فعليا في الإقلاع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا