تونس ومخاطر التصحر الصناعي

عندما ننظر إلى تاريخ تونس الاقتصادي منذ بداية ستينات القرن الماضي إلى اليوم نرى بوضوح أن دولة الاستقلال راهنت على أمرين اثنين :

-تنويع الآلة الإنتاجية وعدم التفريط في أي قطاع أي كذلك عدم المراهنة الكلية عل أي قطاع مخصوص
-الانفتاح ما أمكن على الأسواق العالمية وذلك بخلق نسيج صناعي ذي قدرة تصديرية مرتفعة وكان ذلك في إطار ما يعرف بقانون 1972 والقائم على فكرة تحويل كامل التراب التونسية إلى منطقة للتبادل الحر وإعطاء امتيازات جبائية استثنائية لكل مؤسسة صناعية تصديرية .
وعندما نلقي نظرة إجمالية على التاريخ الاقتصادي للبلاد نلاحظ الدور الأساسي للصناعات المعملية في التصدير حيث تمثل اليوم حوالي ثلاثة أرباع بضاعتنا المصدرة وكذلك دورها في دفع عجلة النمو والتي قاربت %5 طيلة أربعة عقود على الأقل .
بطبيعة الحال يمكن أن يقال الكثير عن القطاع الصناعي في تونس وخاصة في عدم قدرته على الارتقاء في سلم القيم إلا لدى بعض المؤسسات الكبرى التي أضحت تنافس وفي قطاعات هامة كالصناعات الميكانيكية والكهربائية كبريات الشركات العالمية جودة وتنافسية.
الواضح أن النفس التجديدي الذي رافق بداية السبعينات وسمح بخلق قطاع صناعي وكذلك سياحي من لا شيء تقريبا لم يستمر واكتفت السلطات العمومية بالتسيير والمواكبة دون السعي أو حتى التفكير الجدي في الرفع من القيمة الإضافية للاقتصاد التونسي إلى حدود منتصف العشرية الأولى لهذا القرن حيث أدركت حكومة محمد الغنوشي أن منوالنا التنموي لم يعد يستجيب للتحول الديمغرافي والمعرفي في سوق الشغل داخليا كما انه غير قادر على الرفع من نسق النمو إلى درجة أعلى تسمح للبلاد باستفادة أفضل بكثير من فرص وتحديات انفتاح الأسواق العالمية ..
ولكن حتى هذه المرافقة غير الخلاقة غابت أو تكاد في هذه العشرية الأخيرة وتركت صناعتنا المعملية تواجه التحديات الداخلية وتقلبات الأسواق العالمية دون سند أو تصور استراتيجي للدولة التونسية ..
النتيجة الحتمية لغياب هذه الإستراتيجية وهذا الاستشراف بداية التراجع المتواصل والمخيف للقطاع الصناعي في تونس والتي تزامنت مع التراجع الكبير للصناعات غير المعملية وخاصة منها الاستخراجية (المحروقات والفسفاط أساسا) وهكذا أصبح لدينا تراجع هيكلي مستمر للصناعات غير المعملية (%-3.4 في 2017 و%-1.2 في 2018) وقد يكون النمو السلبي في حدود %2 خلال هذه السنة كذلك ..

في المقابل وفي الصناعات المعملية نحن بصدد الانتقال من النمو الهش المقارب للركود (%0.5 في 2017 و%0.3 في 2018) الى نمو سلبي سيتجاوز %1 في هذه السنة وكل المؤشرات تدل بأننا لسنا أمام حالة استثنائية بل اتجاه عام ينبئ بالخطر ولا أدل على ذلك من التراجع المستمر لمؤشر الإنتاج الصناعي والذي وصل إلى نتيجة سلبية في أوت الماضي بـ%-4.3 مقارنة بأوت لسنة 2018.

ينبغي أن نقول بأن الوضعية على صعوبتها ليست كارثية لأن آلتنا الإنتاجية موجودة ولديها القدرات على النمو والتحسن ولكننا نعتقد بأن اللحظة الحالية حرجة إذ لو تواصل ضعف السياسات العمومية في هذا المجال فسنصل بعد سنوات قليلة إلى نقطة اللاعودة ،فنحن نعيش في مناخ تنافسي حاد ومن لا يتقدم – كما يقال – يتأخر حتما فما بالك بالذي يتأخر أصلا فهو بصدد الاستعداد للانهيار .

الإستراتيجية الصناعية للبلاد تنطلق من المنظومتين التربوية والتكوينية وتتواصل بتحسين حوكمة المؤسسات وعقلنة أفضل لمسارات الإنتاج وتثمين كل منتوجاتنا الأولية فلاحية كانت أم طبيعية والتفكير في اكتساح أسواق أخرى وفي الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الذي أضحى ملازما لكل عملية إنتاج صناعي ..
وهذه النظرة الإستراتيجية لا يمكنها أن تكون بمعزل عن نظرة إستراتيجية اعم للبلاد تضع خطة طويلة المدى لما نريد أن تكون عليه تونس بعد ثلاثين سنة تربويا وتكوينيا وصناعيا وفلاحيا وخدماتيا وكذلك بيئيا وثقافيا وتكنولوجيا وعلميا ..

إن التصرف اليومي في مشاكل البلاد ضروري ولكن عندما يكون فاقدا لرؤية مستقبلية ولمشروع حلم جماعي لا يمكن ألا أن يؤدي بنا الى الانتحار البطيء..انتحار القطاعات الإنتاجية وانعدام الأمل عند شبابنا .
نعتقد أن مهمة الإسهام في صياغة رؤية مستقبلية للبلاد يمكن أن يعهد إلى المعهد الوطني للدراسات الإستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية بتعهدها وتاطيرها والقيام بالدراسات المستقبلية الضرورية لها وبتشريك أهم الفاعلين الاقتصاديين والتربويين والمثقفين والخبراء لنتوصل سوية الى أفق نريد الذهاب إليه جميعا وتتولى الحكومات المتعاقبة ترجمته في سياسات عمومية على الأمدين القصير والمتوسط ..
مشاكل تونس ،من أي باب طرقناها ،مترابطة متعاضدة وإصلاحها يستوجب نظرة ثاقبة تأخذ بعين الاعتبار الموجود وترسم افقا للمنشود ولا أمل لنا دون المراهنة الجماعية على التمييز الجماعي والفردي في كل شيء: تربويا وعلميا وإداريا وصناعيا وفلاحيا وخدماتيا،لخلق رخاء ينعم به الجميع ولو بنسب متفاوتة ..
حقيقة واحدة تنبجس اليوم : لم يعد لدينا وقت لإضاعته .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا