على هامش مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة: في المحاصصة الحزبية !!

مفهوم «المحاصصة الحزبية» جديد نسبيا على التونسيين فقبل الثورة ومع استئثار التجمع المنحل بكامل مفاصل السلطة لم

يكن للمحاصصة الحزبية معنى، بل كنا أمام صنف آخر من المحاصصات لا يُتحدث عنه إلا في الفضاءات الخاصة أو في مطابخ الحكم وهو المحاصصة الجهوية .

بعد الثورة وخاصة بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وظهور أول ائتلاف حزبي حاكم»الترويكا» برز مفهوم «المحاصصة الحزبية» بمضمونه السلبي وكان يعني حينها الاقتسام الفج لـ«كعكة» السلطة فحصة كل حزب من الحقائب الوزارية حدد في ما سيسمى بتنسيقية الترويكا ثم تختار قيادة كل حزب من ترشح من بينها لهذه المناصب بغض النظر عن الكفاءة والأهلية والجدارة .

بعد ذلك لم تشهد بلادنا سوى الحكومات الائتلافية (باستثناء حكومة التكنوقراط في 2014) وجاءت معها صيغ مختلفة من «المحاصصات» والراجح عندنا أننا سنكون أمام صيغة جديدة من هذه المحاصصات عبر عنها رئيس الحكومة المكلف بطريقته الخاصة : يقترح على كل حزب ثلاثة أسماء لمنصب ما وإذا لم يعجبني احد فسأطلب من الحزب المعني مدي بمقترحات أخرى ..

والسؤال اليوم بعد كل هذه التجارب وبعد كل هذه الأصناف المختلفة من المحاصصة الحزبية، فهل نحن امام مسألة عادية في كل الديمقراطيات عندما تكون الحكومة ائتلافية. وأن شيطنة المحاصصة قد تمت في تونس لاعتبارات سياسوية فقط أم أن هذه المحاصصة حتى بصيغتها المخففة داء ينخر حياد الإدارة وفاعلية السلطة التنفيذية ؟

يقول السياسيون في بلادنا عندما ينتصرون أو عندما يكونون معنيين بتشكيل حكومة : لقد صوت التونسيون لبرامج ولأحزاب ولم يصوتوا لكفاءات مستقلة ، فمن الطبيعي إذن أن تتولى الأحزاب وشخصياتها البارزة قيادة البلاد وهكذا ستكون هي المسؤولة عن النجاح أو الفشل بينما لو قمنا بانتخابات ثم سلمنا السلطة إلى مستقلين لن يكون هنالك من معنى للانتخابات وللديمقراطية أصلا ..

للإنصاف لا تخلو هذه الحجة من بعض الوجاهة،فممارسة السلطة في الديمقراطية إنما هي لمن يعرضون أنفسهم أمام مواطنيهم ولمن يتم انتخابهم والأحزاب السياسية تمثل المحاضن الأساسية،بل والوحيدة،للقيادات الوطنية وكذلك للقيادات المحلية وإن كان ذلك بنسب مختلفة..

ولكن مراحل الانتقال الديمقراطي تختلف في مجملها عن المراحل العادية في الديمقراطيات العريقة ..ففي الانتقال الديمقراطي هنالك أيضا انتقال وتحول في النخب السياسية من القديمة إلى الجديدة وتحصل فترات فراغ نسبي في الكفاءات القيادية عند الأحزاب الفائزة خاصة تلك التي لم تكن لها دربة التسيير ولا تتجاوز كفاءتها شهائدها العلمية وتجاربها المهنية وتسيير بعض الهياكل الحزبية الداخلية، وعندما يدفع بهذه الشخصيات قليلة الدراية لتسيير الشأن العام ينتج عن ذلك خلل في إدارة دواليب الدولة وقد حصل هذا بوضوح في وزارات عديدة خلال هذه السنوات التسع الأخيرة..

وهنا لابد من التأكيد على فكرة أساسية وهي أن رجالات النظام القديم ورغم كفاءة بعضهم المشهود لهم بها هم أيضا قد أخفقوا ، أو لم ينجحوا كما كان متوقعا لهم،عندما أسندت اليهم مهام وزارية خلال هذه السنوات الأخيرة ذلك أن الخصال القيادية اليوم في مجتمع متحرك تذررت فيه السلطة وتفككت فيه إلى حد ما أواصر سلسلة الأوامر هي غير الخصال القيادية في ظل نظام سياسي مغلق لا يسمح بالاحتجاج أو حتى بمناقشة اختياراته،بما يدل أن جل كفاءات النظام السابق ليست مؤهلة لقيادة تونس الجديدة وخاصة منها تلك التي لم تستبطن دوافع الثورة التونسية ولم تقم بالمراجعات الشخصية والسياسية الضرورية للتأقلم مع تونس اليوم .

والكفاءة أيضا ليست في قيمة الشهادة العلمية ولكنها دوما خليط بين مستوى علمي راق وقدرة على التفاوض والانجاز والمتابعة لذلك كانت الكفاءات التي تحملت مسؤوليات عليا في شركات تونسية او أجنبية هي الأقدر – نسبيا- على النجاح في هذه المرحلة الانتقالية ..

لا جدال في أن البلاد في حاجة الى ابرز واهم كفاءاتها للحكم ولكن ماهي الخصال المطلوبة وكيف تتطور شخصية مستقلة او متحزبة لتصبح كفاءة قيادية في الدولة ؟

هذه المسألة لم تعتن بها كثيرا مختلف الأحزاب التي تداولت على الحكم او تلك التي لعبت أدوارا مهمة في المعارضة ، فكما ان صاحب اكبر وأعظم الشهادات العلمية ليس مؤهلا لقيادة البلاد كذلك السياسي المحنك حزبيا وصاحب الظهور الاعلامي اللافت ليس قادرا بالضرورة على قيادة البلاد ..

الكفاءة القيادية التي تحتاجها البلاد هي تلك الشخصية التي طورت رؤية للشأن العام او لجانب مخصوص فيه كالتربية او الصحة او البنية التحتية او الفلاحة او الصناعة .. واشتغلت علميا وميدانيا على هذا المجال وخصصت له حيزا زمنيا هاما للاطلاع وللاختبار وللتفكير فالكفاءة في المجال التربوي، مثلا، هي تلك المرأة آو الرجل الذي عمق (ت) النظر في هذا المجال واطلع عن كثب على وضع المؤسسة التربوية كميا وكيفيا وزار مدارس عدة في الجمهورية واطلع على صعوبات التعليم والتعلم ولديه اطلاع واسع على النظريات البيداغوجية الجديدة وعلى أهم التجارب في العالم لتحسين جودة التعليم ومخرجاته ..

لا يهم بعد ذلك اذا كانت هذه الشخصية متحزبة أو مستقلة ، المهم فقط،ان الرؤية التي طورتها تتقاطع مع الرؤية العامة لرئيس الحكومة، فدخول شخصية كهذه سيثري الجهد الحكومي المشترك وسيسمح للبلاد، في هذا المجال ، بالخروج التدريجي من تصريف الشأن اليومي إلى تصور جديد للسياسة التربوية ..

ولكن لنعترف أن مثل هذه النوعيات في بلادنا نادرة للغاية فجل الكفاءات التي تتوفر فيها هذه الشروط موجودة في المجال الاقتصادي أو المالي وهي وإن وجدت بمقادير في المجالات الأخرى فلم تتجاوز ، في الأغلب الأعم،المجال التقني المخصوص لها ..

في الديمقراطيات المستقرة يكون الحزب أداة وإطارا لتكوين مثل هذه الكفاءات القيادية وعادة ما يختبر الشخص في مستويات قيادة البلدية او الكانتون أو الجهة قبل أن يفكر في المستويات الوطنية ..

هذه هي الحلقة المفقودة اليوم في موضوع الكفاءة والتي تجعل من تقاسم القيادات الحزبية الحالية لأهم الوزارات كارثة على قيادة البلاد لا لأنها شخصيات مسيسة بل لأنها لا تملك تصورا ولم تطور خبرة تجعلها مؤهلة لقيادة قطاع ما في البلاد ..

ولكن المسار الديمقراطي ومناخ الحرية كفيلان بإيجاد الأرضية الكافية لبروز جيل جديد من الكفاءات القيادية شريطة أن تهتم بهذا أهم الأحزاب السياسية وان يكون لهذه القيادات الصاعدة التكوين النظري والميداني الضروريان للتسيير أولا وللتغيير أساسا ..

في الأثناء سوف نرى كيف سيتصرف رئيس الحكومة المكلف في أهم معضلة له : تكوين حكومة فيها الحد الأدنى من الكفاءة ولكن ترضى عنها الاحزاب التي ستصوت لها غدا في البرلمان ..تلك هي المفارقة..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا