حول «الخط الثوري» وأحزابه

منذ انطلاق الحملتين الانتخابيتين للرئاسية السابقة لأوانها وللتشريعية ظهر مصطلح «الخط الثوري» كعنصر

فرز أساسي بين الشخصيات والأحزاب المترشحة للاستحقاقين الانتخابيين وبدا وكأن الصراع الأساسي في البلاد اليوم هو بين هذا «الخط الثوري» بمختلف مكوناته وبين أنصار «المنظومة القديمة» أو الأحزاب التي تحوم حولها «شبهات فساد».

وقد كانت حركة النهضة من أكثر الأحزاب عزفا على وتر «الخط الثوري» في المناسبتين الانتخابيتين واعتبرت ان مرشحها في الرئاسية ،الأستاذ عبد الفتاح مورو ،هو الممثل الأوفر حظا في «الخط الثوري» بينما روجت لفكرة أنها هي قاطرة «الخط الثوري» في التشريعية .

وبعد الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات التشريعية قالت حركة النهضة أنها تريد أن تترأس وتشكل حكومة متكونة من أحزاب «الخط الثوري» وهي بالإضافة إليها ائتلاف الكرامة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وأكدت أنها تستبعد كلية حزب المنظومة القديمة الدستوري الحر والحزب الذي تحوم حوله شبهات فساد «قلب تونس».

ولكن بغض النظر عن هذا التسويق السياسي ما هو «الخط الثوري» الذي تدافع عنه حركة النهضة ؟

الجواب الأوضح والأشمل نجده عند حليفها الأساسي ائتلاف الكرامة والذي تعرّف قياداته الخط الثوري: هو كل الأحزاب التي كانت معارضة لنظام بن علي وتضيف إليها كذلك الأحزاب والشخصيات المستفيدة من انتصار الثورة والديمقراطية..

لنقبل مبدئيا بهذا التعريف الأولي ولكن لماذا تعترف بعض مكونات هذا «الخط الثوري» بكل الأحزاب والتنظيمات والشخصيات والمثقفين والنقابيين والحقوقيين والنسويات الذين عارضوا بنسب متفاوتة نظام بن علي وتشكك حتى في وطنية بعضهم أو تتهم آخرين بالفساد ؟ لا نريد إقامة موازنات بين كميات النضال ولكن أيهما كان أعظم أثرا في الإطاحة بنظام بن علي : الاتحاد العام التونسي للشغل أم كل هذه الأحزاب مجتمعة ؟ وألم تمثل أهم المنظمات النسوية كالنساء الديمقراطيات على وجه الخصوص معارضة شرسة وقوية لنظام بن علي ؟

الواضح أننا هنا أمام فرز ظاهر يبدو سياسيا في مجمله وفرزا خفيا عقائديا يكون بموجبه جل الديمقراطيين واليساريين خارج الخط الثوري لأنهم من خصوم التيار الإسلامي فقط ليس إلا ..

هذا الفرز العقائدي نجده قويا لدى ائتلاف الكرامة ومخففا إلى حد ما عند حركة النهضة ،ولكن هل يمكن ذلك قصر وحصر «الخط الثوري» فقط على معارضي نظام بن علي ؟ أي هل يمكن اعتبار التيارات السلفية الجهادية أو جماعات الإسلام السياسي الراديكالي (كحزب التحرير مثلا ) ممثلين هم أيضا للخط الثوري؟ ثم – وهذا هو الأساسي هل يمكن الفصل بين «الخط الثوري» والثورة» كقيم وأفكار ومبادئ؟

في تونس وفي العالم حركات عديدة عارضت النظم الاستبدادية لا من اجل الحرية والمساواة والديمقراطية بل من اجل ايدولوجيا استبدادية وأحيانا أكثر غلظة من تلك التي تقول أنها تحاربها ،فهل تنصف هذه الحركات ضمن الخط الثوري ؟ وهنا لا نتحدث فقط على حركات أقصى اليمين ولكن أيضا على تنظيمات أقصى اليسار وخاصة تلك التي تتبنى نظريا وعمليا «العنف الثوري» ، فهل نعدها هي أيضا ثورية وهل نعتبر ان لها دورا في إرساء الديمقراطية كبديل وحيد أوحد عن الاستبداد ؟

فقبل الحديث عن «الخط الثوري» لابد أن نتحدث عن تعريفنا للثورة ولقيمها ولأفكارها ولتصورها الاجتماعي ، وحينها سيتضح من ينتمي لخط الثورة فعلا لا قولا ..

عندما نجد أن مكونات أساسية في ما يسمى اليوم « خط الثورة» ضد افكار المساواة أو لا تولي أهمية تذكر للحريات الفردية ولا تؤسس رؤيتها للتمييز الإيجابي على نظرة إدماجية لكل المواطنين بل فيها ضغائن واثارة نعرات جهوية في تصور انتقامي لا يؤسس لعيش مشترك ..

نحن بحاجة ولاشك لاستلهام مبادئ وقيم الثورة لتأسيس مستقبل البلاد وللإقدام على الإصلاحات العميقة المطلوبة ولكن نريدها ثورة مفتوحة على المستقبل وعلى قيم المساواة والحريات والإدماج الاجتماعي والمجالي .. وهذه القيم تتجاوز المنظومة الحزبية والتكتيكات السياسية واسوا خدمة تقدمها للثورة ولأهدافها ولقيمها أن تجعل منها مجالا لفرز تكتيكي متحول لا يقوم ضرورة على تصور مبدئ للسياسة ..

ما نحتاجه اليوم من كل أحزاب المشهد السياسي ان تتجاوز الشعارات العامة وان تعطينا تصوراتها الاقتصادية والاجتماعية ، اذ على أساسها وأساسها فقط سيقع الفرز الحقيقي والتحالفات من عدمها ..

نحن لا نتحدث عن التيارات والحركات التي ترفض الثورة وكل مخرجاتها بل فقط عن كل الذين يريدون الانخراط فعلا في عملية التغيير الشاملة التي انطلقت يوم 17 ديسمبر 2010 ولكن الثورة التونسية أهم وأعظم بكثير من كل الذين يدعون أو يريدون احتكارها اليوم..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا