إشكالية الإشكاليات في المشهد السياسي المشتت: ماهي التحالفات الطبيعية ؟ وحول ماذا ؟

عندما يكون خط الفرز واضحا ووحيدا في مجتمع ما تصبح التحالفات السياسية قائمة على التشابه

في المواقف والمواقع ،فاليميني يتحالف مع اليميني واليساري كذلك مع سميّه..

ولكن في المشهد السياسي التونسي هل يوجد خط فرز واضح ووحيد؟ وهل يوجد حلفاء طبيعيون؟

في 2011،وكذلك اليوم،هنالك من رأى ويرى أن الخط الفاصل هو مع الثورة أم ضدها،فتحالف على هذا الأساس حزب المؤتمر والتكتل مع حركة النهضة،ولكن اتضح في مسائل جوهرية – في ما بعد - سواء أتعلق الأمر بخيارات مجتمعية أو اقتصادية أن هذا التحالف غير طبيعي خاصة وان أحزابا كالديمقراطي التقدمي أو التجديد كانا أيضا حزبين ثوريين.

في 2014 كان خط الفرز هو المشروع المجتمعي وتحالفت كل القوى المعادية للإسلام السياسي في ما سمي بجبهة الإنقاذ والتي جمعت جل الأحزاب الديمقراطية من نداء تونس الى الجبهة الشعبية، ولكن عندما أريد لهذا التحالف أن يصبح تحالف حكم اتضحت استحالة هذه المحاولة لان الرؤيتين الاقتصادية والاجتماعية للنداء وللجبهة الشعبية متباعدتان بشكل يمنع قيام حكومة إصلاحات فعلية، فقام التحالف النهضوي الندائي والذي قيل عنه انه تحالف غير طبيعي باعتبار خطي الفرز الثوري والنموذج المجتمعي ولكن يبدو أن إمكانية الحكم من عدمها مثلت خط فرز آخر جعل من «التوافق» إستراتيجية حكم دامت لخمس سنوات ..

اليوم يعود الحديث من جديد عن خط الثورة باعتباره خط الفرز الاساسي لكل تحالف حكم ممكن ..

ولكن ما معنى خط الثورة ؟ وهل أن العداء السياسي لنظام بن علي يكفي لوحده ليضع حزبا أو تيارا فكريا ضمن خط الثورة ؟حزب التحرير وروابط حماية الثورة والتيارات السلفية الجهادية كلها تضع نفسها في صف الثورة بل وتعتبر نفسها لبّها الأساسي،فهل يجعل منها مجرد هذا الادعاء حركات وتنظيمات في صف الثورة ؟

وعندما ننظر إلى البرلمان القادم والذي لم يتشكل بعد بصفة رسمية وننظر الى المجموعات التي تصنف نفسها في خط الثورة كالنهضة والتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وحركة الشعب ،فهل نحن فعلا أمام حركات ثورية ؟

وماذا تعني الثورة هنا؟هل هي فقط احتجاج على نظام بن علي ؟ أم أن هنالك قيما ومبادئ وتصورات للعلاقات الاجتماعية هي التي تصنف أصحابها في خانة الثورة من عدمها ؟..فهل يمكن يا ترى أن يكون ثوريا من لا يؤمن بالمساواة بين الجنسين؟ أو من لا يؤمن إيمانا راسخا بالحريات الفردية والعامة ؟ أو من لا يعتبر أن تشغيل المصعد الاجتماعي في كل الاتجاهات هو لب السياسات العمومية؟

والغريب أن كل الأحزاب والتنظيمات الممثلة في البرلمان القادم متفقة على أن قضايا تونس الحارقة هي اقتصادية واجتماعية ،ولكن يرفض جلهم أن يكون هذا هو خط الفرز الحقيقي اليوم ،لماذا ؟

ماهي القواسم المشتركة في التصورات الاقتصادية والاجتماعية بين هذه التكتلات الأربعة ؟ فهل تؤمن فعلا كما تدعي بالدولة الاجتماعية ؟ وما هو المفهوم الدقيق لهذه «الدولة الاجتماعية» وهل تعني تأميم بعض المرافق أم خوصصتها أم اللجوء إلى هذه الكلمات الفضفاضة «حالة بحالة» وهل تملك هذه الأحزاب نفس الرؤيا لمعاجلة ملفات التضخم والمديونية وعجز الصناديق الاجتماعي ومنظومة الدعم الخ ..؟؟

إذن نحن متفقون أن المسائل الاقتصادية والاجتماعية هي الأساس ولكن مرة أخرى نؤسس التمايز على مسائل أخرى ..

ترى ما هي الأحزاب الأقرب اقتصاديا واجتماعيا لحركة النهضة ؟ نكاد نجزم بانها الأحزاب التي تعاديها النهضة أكثر من غيرها وهي قلب تونس والدستوري الحر ..

الخلاصة الأساسية في كل هذا أننا نكتشف اليوم ان جل الأحزاب التي ستؤثث المشهد السياسي القادم هي أحزاب لم تستعد فعلا للحكم ولم تتكلف نفسها تطوير رؤية لحكم ممكن لتونس ولا تملك صورة واضحة على اقتصاد البلاد وحاجياته وطرق اشتغاله وتعتقد أن شعارا او اثنين، مهما كانت شرعيتهما،كفيلان لوحدهما لحكم البلاد ولتحسين أوضاع الناس ..

نحن في الحقيقة وضعنا كلنا «الحصيرة قبل المسجد» والرغبة في الحكم قبل تصور الحكم والقدرة على الانجاز،فلا نعجب بعد من وجود أحزاب تعتقد أنها قادرة على الحكم سويا لاشتراكها في بعض الشعارات اما عندما ندخل في التفاصيل ،تلك التي يهواها الشيطان،نجد أنفسنا أمام استحالة عملية لبرنامج حكم وحتى إن حصل تحالف ما فهو لن يغير شيئا يذكر لأنه لم يقم على وحدة في التشخيص ورأي متقارب في الحلول ..

لعلّنا مرّة أخرى سنتحالف بين أحزاب حول مواقع ثم نبحث عن الشعارات العامة أما السياسات العمومية الفعلية فستترك لما بعد..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا