مؤشرات أولية عن مستقبل السلطة

الانطباع الّذي حصل للتونسيين أن مقاليد السلطة تتمّ بسلاسة تامّة في مختلف المحطات الإنتخابية وإثر رحيل الأستاذ محمّد الباجي قائد السبسي.

ورغم إثارة بعض الإشكاليات القانونية ، فإن تسليم مقاليد الحكم تمت بصورة عادية أما التأخير في الإعلان عن التسميات المتصلة بديوان رئيس الجمهورية فقد تمّ تداركه في بداية الأسبوع المنصرم بالإعلان عن أهم التعيينات العاجلة في المراكز الحسّاسة، و تم تجاوز الإخلالات الّتي تعلّقت بوجود شخصيات قريبة من رئيس الجمهورية دون أن تُسند إليها مهام رسمية .

في المقابل كان النسق الّذي تمّ فيه إستقبال رؤساء الأحزاب و بعض الشخصيات تحت عنوان التشاور المباشر أكثر سرعة، و هي مشاورات بدت سابقة لأوانها إذا أنها كانت مندرجة في إطار تشاور رئيس الجمهورية بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة، باعتبار أنّها تتمّ دستوريا بعد -فشل حركة النهضة في تقديم مرشح لتشكيل هذه الحكومة أو في حالة عدم حصول تلك الحكومة على ثقة مجلس نواب الشعب- وليس قبل ذلك ، طبق ما تقتضيه الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور.

و قد أدى هذا التشاور المبكر إلى رفض البعض لدعوة رئيس الجمهورية ، بالإضافة إلى إثارة عدم كشف الرئيس المنتخب عن تصوراته العملية، وعدم التعرف على فريق الديوان الرئاسي ، و كل ذلك ،على خلفية تبيّن مدى ملازمة الحياد تجاه كل الأحزاب.

يمكن رد هذا التعثر إلى نقص الدربة على تولي مهام القيادة العليا و عدم الإستعداد و التهيؤ لها، و هو ما قد يشفع للأستاذ سعيد حصول بعض الأخطاء البرتوكولية و عدم التعامل بما تقتضيه النواميس و قواعد حسن التعامل مع المسؤولين السابقين .

و لكن إذا رجحنا عدم حصول تغيير مؤثر على النتائج النهائية الّتي سيقع الإعلان عنها في نهاية الأسبوع المقبل، فإنه لا أحد يقلّلُ من جسامة المسؤولية الملقاة على كاهل رئيس الجمهورية و ديوانه الرئاسي والّذين بقدر ما تشرفهم ثقة الأغلبية الّتي تمّ تسجيلها في الانتخابات الرئاسية ، بقدر ما تحمّلهم من مهام ومن عمل وتقتضي حنكة في التعامل مع الاحداث والمستجدات في الدّاخل والخارج و تتطلّب توخّي أساليب التخاطب و التصرف السليمين مع مختلف الأطياف السياسية .

فمنحى المشاورات ، التي نتابع مجرياتها هذه الأيام تتجه نحو تشكيل حكومة كفاءات وواجهات لا تبدو فيها حركة النهضة في الصدارة، تستفيد منها و لا تتحمّل مسؤوليتها كما دأبت على ذلك، و هو ما قد يفسّر المشاورات المبكرة لرئيس الجمهورية تحت العين الرقيبة للنهضة و أتباعها . والتلويح بتكليف الغنوشي برئاسة الحكومة، ليس إلا وسيلة لتمكين النهضة من فرض شروطها حتى و إن تمّ ذلك بدفع من أجنحة في حركة النهضة ، فإن ذلك سيكون بغاية توريط زعيم النهضة ، الّذي سيكون تقلّده لموقع في الصدارة بمثابة التخلّي عن دور «المرشد» ووضع نفسه موضع النقد و المحاسبة المباشرة الّتي لا يمكن ان تكون مريحة له في كل الحالات و هو ما سيسهل استبعاده من طرف معارضيه.

و لكن بما أن الحلقة الحاسمة في مجلس نواب الشعب لا يمسك بها رئيس الجمهورية ، و أمام الخوف من حصول الفراغ بتأجيل الحسم و إعادة الانتخابات التشريعية في صورة العجز عن تشكيل حكومة تنال ثقة البرلمان ، سيكون رئيس الجمهورية إزاء ضغط كبير ،و سيدفع إلى لعب دور الموازن بين مختلف الأحزاب الّتي كانت في صدارة الانتخابات التشريعية باستثناء من تمسك منها بموقع المعارضة . فسيجابهُ قولا بأنه الحائز للأغلبية الشعبية ، وقانونا ، بأنه «القانوني» حامي الشرعية والدستور والوطن ، و بذلك ستكون تونس إزاء نفس الإكراهات الّتي ستؤسس إلى توافق جديدا بإسم «التشاركية» والّتي قد توصف بالتشاركية المسؤولة، تحت يافطة مقتضيات مصلحة البلاد.

و بذلك تعود تونس إلى نفس المربع الّذي كانت فيه ، و لكن بوجوه جديدة و بخطاب مغاير و بلمسات خاصّة ، و شعارات مبتكره ستعيد فتح واجهات و مواجهات سياسية و عقائدية لم تحسم في فترة حكم الترويكا ،دون النفاذ إلى حل الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية الّتي قد تزداد استفحالا.

هذه المؤشرات تؤكّد أن الرئيس قيس سعيد سيُلبسُ رداء المجمّع ، فيلعب دور المقرب بين مختلف وجهات النظر ، و هو ما يؤشر على صعوبة الوضعية الّتي سيكون إزاءها، خاصّة إذا لم يتوصّل - منذ البداية- إلى تفكيك رموز اللّعبة السياسية الّتي سيواجهها ، و إذا لم يحط نفسه بحزام من المستشارين القادرين على توخي الحياد و التعامل الإيجابي مع كل الكفاءات الوطنية القادرة على تقديم الإضافة لتحسين الوضع الاقتصادي و إعادة تحريك عجلة التنمية و تجنب منزلق الشعارات الشعبوية الحاملة لفيروس تفكيك مؤسسات الدولة و إضعافها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا