تونس تغرق.. تغرق

مرة أخري تغرق الأمطار تونس الكبرى في برك من المياه وقد غمرت طرقات وتسربت المياه الى

أحياء كثيرة وتعطلت حركة المرور في جلّ الطرقات لمدة ساعات طويلة...

هل نحن أمام قضاء لا يُرد أم أمام تراكم أخطاء في السياسات العمومية من أمثلة تهيئة مديرية إلى استراتيجيات عمرانية وفلسفة نقل وتصور للمدينة الحديثة عندنا والبنية التحتية الملائمة وانضباط السكان للقوانين وقدرة السلطات المحلية والمركزية على انفاذها...

ما يحدث في بلادنا أثناء وإثر كل تهاطل للأمطار يوضح حجم الخلل والارتباك والفوضى في حياتنا العامة فلا شيء يُخطط له وفق نظرة استشرافية بعيدة المدى وذلك على مستوى كل البنى التحتية من طرقات وجسور ومعابر وقنوات تصريف صحي وقنوات تصريف مياه الأمطار، وما خُطّط له لا ينفذ مطلقا كما هو اذ يتلاعب بالمواصفات كل المتدخلين وصولا إلى المواطنين ثم ما لا يُخّطط له عمرانيا أصلا يصبح هو القاعدة في أماكن عدة في بلادنا ونكتفي باطلاق مفهوم «البناء الفوضوي» عليه ومادامت البلاد كلها في حالة فوضى فلماذا نستثني البناء من حالة الفوضى العارمة هذه؟!

ينبغي أن نتوقف عند أمرين اثنين: أولا المكابرة وثانيا التباهي الجماعي بخرق القانون.

ينبغي أن نقر بأن بلادنا بلاد فقيرة محدودة الموارد رغم التقدم النسبي الذي سجلته منذ الاستقلال الى اليوم وأن الحلّ الوحيد لتلافي كل نواقص بل وتخلف مختلف المنظومات هو في العمل والتخطيط العقلاني واستشراف عميق لما نريد أن تكون عليه بلادنا في العقود القادمة.

هل نريد مثلا، أن تكون لكل عائلة سيارة فردية أو أكثر وأن تستعمل هذه السيارة في كل الشؤون اليومية من تنقل الى العمل ومقاعد الدراسة وقضاء مختلف شؤون الأسرة، وأن يكون النقل الجماعي فقط للطبقات الشعبية؟ أم نريد نقلا جامعيا لعموم التونسيين وأن تكون وسائل النقل الفردية تكميلية فقط لا غير؟

لقد اخترنا في تونس ألا نختار وبالتالي أحدثنا فوضى في النقل لا مثيل لها...

لا شك أن الاستثمار في النقل الجماعي ذي الجودة والسلامة والأمن مسألة مكلفة في المدى القصير ولكن مردوديتها ضخمة على المديين المتوسط والبعيد، والأساسي أن يتم انجاز هذه المخططات بسرعة تتجاوز تصور المدن وأن تكون هذه البنى التحتية صالحة لتونس بعد عقود من الزمن.

نفس الأمر نقوله في ما يتعلق بالتهيئة العمرانية والنمو الديمغرافي لتونس الكبرى..

الواضح أن تونس الكبرى لم تعد تتحمل هذه المركزة لكل شيء اداريا وصناعيا وتجاريا وجامعيا وماليا مع كل هذا الزخم البشري والبنى التحتية المتداخلة والمتقادمة فالمطار الأساسي يكاد يكون في قلب العاصمة والميناء الأساسي كذلك وهي التي تجمع كل تقاطعات الطرق السيارة والسكك الحديدية والمسالك التجارية فعمت البناءات الفوضوية في كل مكان حتى داخل المناطق المهيئة سلفا...

لقد حان الوقت للتفكير في عاصمة ادارية جديدة للبلاد تكون داخل احدى معتمديات ولاية القيروان مثلا بما يجعلها قريبة من تقاطعات الطرق السيارة ومن مطار النفيضة ومينائها القادم.. مدينة تضم بعض مئات الآلاف من المواطنين دورها التخفيف من بعض الأدوار الادارية والديبلوماسية على تونس الكبرى ودفع قويّ للتنمية الجهوية في وسط البلاد في منطقة مماسة لكل ولايات الشمال الغربي والوسط الغربي مع قربها من كل ولايات الوسط الشرقي ثم اعداد مخططات مديرية فعلية لتغيير المعطيات الأساسية في تونس الكبرى..

ولا معنى لكل هذه المخططات المكلفة وطويلة المدى ما لم يتم التطبيق الحرفي والصارم لكل المخططات المديرية الحالية والقضاء بقوة الإدارة والقانون على كل مظاهر الفوضى والتلاعب بمواصفات الأحياء والطرقات والبنى التحتية وألا تكون شريعة الغاب هي المهيمنة.

اننا نحتاج في ذات الوقت الى دولة قادرة على انفاذ القانون، كل القانون، على الجميع بدءا من المقاولين وصولا الى المواطنين مرورا بكل المصالح العمومية وكذلك الى دولة ذات قدرة على التخطيط الاستراتيجي الذي يأخذ بعين الاعتبار رؤية جديدة للمستقبل والمتغيرات الديمغرافية الفعلية وكذلك المتغيرات المناخية الطارئة على العالم وعلينا كذلك...

ما دون ذلك فتونس ستبقى تغرق.. تغرق...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا