بين التشريعية والرئاسية: 10 أيام لرسم المشهد السياسي الجديد

الصورة واضحة اليوم : بعد 3 أيام انتخابات تشريعية تقول كل المؤشرات بأنها قد تفضي إلى برلمان فسيفسائي وان إيجاد أغلبية

حكم فيه لن تكون بالأمر الهيّن وبعد 10 أيام سيكون لنا رئيس دولة جديد إما قيس سعيد أو نبيل القروي ..

لاشك أن الوضعية غريبة إلى حد بعيد في الدور الثاني للرئاسية مع الإبقاء في حالة إيقاف لأحد المتراهنين..وقد نقبل أو نرفض القرار الأخير لدائرة الاتهام ،ولكن القرار حصل ولا يبدو أن هنالك إمكانية لتغييره بقرار قضائي آخر قبل موعد 13 أكتوبر ، كما أن هيئة الانتخابات قد أوضحت خلال يوم أمس في ندوتها الصحفية أن مقتضيات الدستور والقانون تفرضان عليها مواصلة تنفيذ الروزنامة الانتخابية في الآجال التي يضبطها القانون وهكذا سيجرى الدور الثاني للرئاسية يوم 13 أكتوبر ،وعلى عكس ما يعتقده الكثيرون فإن مبدأ تكافؤ الفرص لا يخول للهيئة إبطال نتائج الدور الثاني كليا أو جزئيا كما أن عدم تكافؤ الفرص خلال الحملة الانتخابية الرسمية قد لا يصل إلى درجة تخول للمحكمة الإدارية بعد ذلك إلغاء نتائج الدور الثاني ، في صورة فوز المرشح قيس سعيد إلا ربّما في حالة وحيدة وهي التقارب الكبير في النتائج بين الأول والثاني (من صنف فارق في الأصوات لا يتجاوز بعض عشرات الآلاف) ولكن تقديرات جل العارفين بخبايا طرق اشتغال المحكمة الإدارية وبفقه قضائها الانتخابي يرجحون أن عدم احترام هذا المبدإ العام (تكافؤ الفرص) لن ينجر عنه إلغاء لنتائج الصندوق إلا في حالات نادرة ونادرة للغاية ..

نحن إذن أمام مسار قضائي وانتخابي بصدد التحقق خلال هذه الأيام القادمة والأرجح أن يكون لدينا رئيس دولة في الآجال الدستورية (أي قبل يوم 25 أكتوبر ) ومعه برلمان منتخب بقوى متقاربة إلى حد كبير وبغياب حزب قادر على أن يكون – لوحده – القاطرة الفعلية للحكم غدا.

لقد طغت الانتخابات الرئاسية على التشريعية وطغت وضعية نبيل القروي على كل شيء وهذا فيه ظلم للمسار الانتخابي برمته ولجهود كل المتدخلين فيه من هيئة ومترشحين وقائمات وأحزاب وائتلافات ومجتمع مدني ووسائل إعلام ومواطنات ومواطنين ..

من الظلم لكل هذه الجهود والطاقات ولرسائل الصندوق المختلفة والتي تلقينا الجزء الأول منها يوم 15 سبتمبر الماضي أن نعلق كل شيء على قضية واحدة ،مهما كانت أهميتها ،وهي الوضعية القانونية للمترشح نبيل القروي ..

لا نعتقد أن ديمقراطيا واحدا لم يكن يتمنى إطلاق سراح نبيل القروي يوم أول أمس حتى تتم المنافسة على قواعد سليمة وحتى يتمكن التونسيون من انتخاب رئيس الدولة القادم بعد أن كانوا قد استمعوا إلى آراء وأفكار وبرامج المترشحين الاثنين وأن يرونهم يتناظران أكثر من مرة ..

ولكن لا يمكن لأي ديمقراطي كذلك غير مرتبط بجهات أو مصالح معينة أن يرفض كل المسار بما فيه مجرد إصرار القضاء على الإبقاء على نبيل القروي في حالة إيقاف أو الاعتقاد فعلا بان تكافؤ الفرص قد غاب بين مرشح لا يملك شيئا من أدوات القوة والمال والإعلام وبين مرشح لديه وسائل مالية وإعلامية ضخمة تخدم لصالحه منذ سنوات المتشبثون بتكافؤ الفرص كمعطى جوهري ووحيد -قد تؤجل الانتخابات أو تلغى من اجله- ليسوا دائما على حسن نية ثم هم يحملون هيئة الانتخابات والمحكمة الإدارية والمترشح قيس سعيد ما لا طاقة لهم به وما لا دخل لهم فيه،فلهيئة الانتخابات الولاية العامة على مجالها ولكن لا ولاية لها على القضاء وعلى مختلف مؤسسات الدولة،ولا نعتقد ان بعضا من هؤلاء المتحمسين قد يكونون بنفس الحماس لو انقلبت الادوار وكان قيس سعيد رهن الإيقاف أو لو كان منافس نبيل القروي احد الممثلين المرموقين لمنظومة الحكم الحالية ..

ينبغي علينا جميعا أن نحافظ على هذا المسار الديمقراطي الذي انتهجته بلادنا وعلى هذه الانتخابات الحرة والشفافة التي نجحنا في تنظيمها إلى حد الآن . وان الذين يلوحون بنسف العملية من أصلها بدواعي التشبث بسلامة كل قواعدها لا نراهم يحركون ساكنا أمام الانحياز الفاضح لأهم وسائل الإعلام في البلاد بما يدل أن «حرصهم» على الديمقراطية هو حرص يتلون وفق التوازنات والمصالح الآنية والقادمة ..

مرة أخرى سيذهب التونسيون والتونسيات إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد 6 أكتوبر وهم لم يتبينوا أهم الأفكار والمقترحات والبرامج للأحزاب والائتلافات التي تستعد لحكم البلاد ..

مرة أخرى ستكون انتخاباتنا التشريعية وفق «الهوية» لا بمعنى معارك 2014 بين الإسلام السياسي وخصومه ولكن وفق المعارك التي أنبأنا بها الصندوق منذ الدور الأول للرئاسية وهي محاور الاستقطاب القديمة والجديدة بين معسكرات تصطف وراء شعارات (الثورة ،الحداثة، الدولة ،الفساد..) دون توضيح السياسيات التي ستعتمد والرؤية التي ستبنى عليها ..

ولكن وأيا كان الأمر فستخرج تونس بعد أيام قليلة بمشهد سياسي جديد مختلف تمام الاختلاف عما سبقه،ولكن البلاد ستبقى هي البلاد ومشاكلها وأزماتها وهشاشاتها ستبقى كذلك هي هي ..

الإشكال في بلادنا ليس في تجديد أو تغيير الحكام .. الإشكال يبقى في القدرة على استنباط حلول جديدة للبلاد ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا