المحكمة الإدارية تقر ابتدائيا النتائج الأولية للدور الأول للرئاسية: نخب بين المؤامراتية والإنكارية

غريب أحوال بلادنا أحيانا ، فما إن أفصح الصندوق عمّا فيه في الدور الأول للرئاسية حتى انطلقت هنا وهنالك أفكار ونظريات

أنّ ما حصل كان نتيجة مؤامرة دبّرت في مكان ما واشتغلت عليها أجهزة خفية في مطابخ استخباراتية كادت أن تحرك كل أصابع وأيادي التونسيات والتونسيين الذين صوتوا يوم 15 سبتمبر الجاري وأوصلوا للدور الثاني كلا من قيس سعيد ونبيل القروي ..

عند البعض من نخبنا،ذات اليمين وذات الشمال كذلك،لا شيء يحصل بالصدفة،أي بالاختيار الحر للفاعلين المحليين،بل كل شيء هو نتيجة لمؤامرة خارجية معقدة ذات أهداف لا ترقى إليها عقولنا البسيطة وتستخدم فيها أرقى أنواع التكنولوجيات وأخبث تكتيكات المخابرات واغرب استراتجيات العقود القادمة فيصبح انتخاب شخصية ما أو أغلبية ما عنصرا بسيطا في خطة معقدة وطويلة الأمد مفادها ...ضمان استمرار واستقرار دولة إسرائيل بعد جيل أو جيلين من اليوم !!

والغريب أن نظرية المؤامرة تتحول من صف إلى آخر وفق مقتضى نتائج الانتخابات،فإن كانت النتيجة موافقة لهوى زيد تصبح انتصارا شعبيا وتحقيقا للإرادة الحرة للناخبين وإن جاءت بغير ما يشتهي تصبح بالطبع النتيجة الحتمية لمؤامرة دنيئة وعميقة القصد منها تحطيم البلاد والعباد والمنطقة العربية بأسرها ..

والطريف في الأمر أن من اعتبر نتائج 2019 جزءا من مؤامرة على تونس فرح كثيرا بنتائج 2014 والعكس بالعكس،بل وأصبح بعضهم يرى في هذه «المؤامرة» جزءا من مؤامرة اشمل وربط بينها وبين ما يحدث الآن من مظاهرات احتجاجية لدى بعض شباب مصر ولربّما الحياء وحده هو الذي منع من ربطها مع الحراك في الجزائر والسودان كذلك .

أصحاب نظرية المؤامرة لا يُناقشون لأنهم يعتقدون امتلاك حقائق ومعلومات وقدرة على الربط بينها لا تتوفر لخصومهم،فالنقاش الجدي الوحيد معهم هو اعتبارهم هم أيضا أجزاء من مؤامرة أضخم تتجاوز ذواتهم وافهامهم ومواقعهم وهكذا نصبح كلنا في المؤامرة سواء ولا ينجو منها احد ..

تضاف إلى نظرية المؤامرة في بعض أوساط النخب التونسية نظرية إنكارية جذرية لها خيوط لصيقة بنظرية المؤامرة .. فمنذ أن تقدم ستة مترشحين في الدور الأول للرئاسية بطعون إلى المحكمة الإدارية سرت كالنار في الهشيم «أخبار» و«تحاليل» عن قبول المحكمة الإدارية - إراديا أو تحت الضغط – لهذه الطعون وعزمها إسقاط صاحبي المرتبة الثانية والثالثة أي نبيل القروي وعبد الفتاح مورو حتى يصعد إلى الدور الثاني صاحب المرتبة الرابعة عبد الكريم الزبيدي . البعض يؤكد أنها معلومات «ثابتة» لا يرقى إليها الشك وآخرون يقيمون صلوات افتراضية من اجل تحقق هذه «المعلومات» حتى «ننقذ» البلاد،بل واعتقدوا جازمين بأن إسقاط القروي ومورو هو انتصار للقانون وللدولة ولمستقبل البلاد !! وان المحكمة الإدارية ستقوم بالواجب بعد الإخفاق الكلي لهيئة الانتخابات !!

ونسي هؤلاء وتناسوا أن المحكمة الإدارية في فقه قضائها قد وقفت دوما مع نتائج الصندوق حتى عندما اجتهدت هيئة الانتخابات في إسقاط قائمات أو مقاعد كما حصل ذلك مع بعض مقاعد العريضة الشعبية في 2011 ومع مقعد لنداء تونس بالقصرين في 2014 فأبطلت المحكمة الإدارية قرارات هيئة الانتخابات وأقرت النتائج الحاصلة في الصندوق ..

إننا هنا في قمة الإنكارية التونسية،إنكار للواقع وإنكار لموازين القوى الحقيقية بل وإنكار لأبسط المبادئ التي ناضل من اجلها هؤلاء على امتداد عقود طويلة : المطالبة بالديمقراطية وبحكم الشعب للشعب بالشعب،فإذا بهم يطالبون السلطة القضائية بالتنكر للإدارة الشعبية حتى «يتطابق» الصندوق مع هوى في أنفسهم ..

لا احد يطلب من احد بان لا ينتقد ولو بشدة نتائج الصندوق والنتائج التي افرزها والعمل على تغيير توازناتها .. ولكن دوما بالصندوق ولا شيء غير الصندوق والا نكون قد أهدرنا كل شيء : الثورة والديمقراطية والدولة والبلاد ..

ثم ما فائدة نخب في البلاد «إضافتها» الوحيدة خلق نسيج من نظريات المؤامرة وانكارية غريبة للواقع ..نخب كهذه تفقد صفتها كنخبة قادرة على الفهم والتفسير والاستباق والاقتراح..

نتائج الدور الاول للرئاسية ليست فقط عقاب لمنظومتي الحكم والمعارضة بل هي بيان ايضا لزيف بعض النخب و«منظومات» فكرية فاقدة لكل صلابة وجدية .

بلادنا مازالت في حالة « هيجان» ديمقراطي وفي تقلبات لم تستقر بعد على منهاج واضح، والبلاد ليست في حاجة في هذه الظروف الصعبة والمستمرة الى نخب بكائية او مؤامرتية او إنكارية،بل إلى نخب لا تفقد البوصلة رغم الأمواج العاتية ولا تتراجع البتة عن الروح النقدية والالتزام بالقيم التي تدافع عنها .. نخب قادرة على فهم ما يحتمل في اعماق مجتمعها وابتكار الحلول المستجدة للنهوض بالبلاد ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا