في مخاطر الوعود الانتخابية

من يقول انتخابات يقول حتما وعودا، ولا تشذ أية ديمقراطية عن هذه القاعدة، وعادة ما تكون الوعود اكبر من الإمكانيات

ولكن يحرص أصحابها في الديمقراطيات الراسخة على جدية الوعد وإمكانية تطبيقه رغم كل شيء، لأن الوعود في الحملات الانتخابية تقع تحت رقابة الخبراء والإعلاميين فيتضح حتى قبل يوم الاقتراع الجدي منها من المشط أو حتى الكاذب ..

والواضح أن البون الشاسع بين الوعد والانجاز هو في لب أزمة الديمقراطية التمثيلية لذا نرى حرصا كبيرا خلال هذين العقدين الأخيرين على جدية الوعود وحسن دراستها، بل أضحت الوعود غير الشعبية علامة مميزة لبعض المترشحين من أجل حصد المزيد من الأصوات وإظهار جدية المقترحات ..

المتابع لجملة الوعود التي قدمها المترشحون الستة والعشرون يلاحظ أننا ابتعدنا ،إلى حد ما ،عن العروض الفلكلورية التي رافقت بعض المترحشين لانتخابات 2011 و2014 ولكننا لم نصل بعد ، في الأغلب الأعم ،إلى الوعود القائمة على دراسة دقيقة لإمكانيات البلاد ولإمكانيات التنفيذ خاصة وللتوازنات المالية العامة للدولة خلال العهدة الانتخابية القادمة بل قد وصلنا إلى درجة «التعفف» في تقديم الوعود سواء منها ما كان كميا أو ما كان نوعيا واكتفى العديد من المترشحين بتعهدات لا تنجرّ عنها تبعات ما ..وقد يكون هذا مستساغا الى حد ما في انتخابات رئاسية ولكننا نجد مترشحين عديدين يقولون لنا بأنهم سيجعلون من رئاستهم – في حالة فوزهم- آلة رافعة للاقتصاد الوطني ولكن دون أن «يتورطوا» في تقديم أي رقم تاركين ذلك للانتخابات التشريعية ..

بعد أسبوع فقط تنطلق الحملة الرسمية للانتخابات التشريعية ومعها موسم الوعود المتعددة والمتناثرة ولسنا ندري إلى حد الآن هل ستقدم جل القائمات المتنافسة برامج تفصيلية للخماسية القادمة أم هل ستكتفي ببعض رؤوس أقلام ووعود مبهمة غير مرقمة وغير محددة في الزمن ..

نظريا يمثل البرنامج الركيزة الأساسية لتحديد اختيار الناخبين، ولكن نعلم أن محددات الاختيار متنوعة ولا يمثل البرنامج إلا الجزء البسيط فيها ، ولكن هوية الحزب أو التوجه الفكري السياسي الذي يقدم نفسه لنيل ثقة الناخبين تقتضي وجود برنامج يعكس التصورات العامة وآفاق الانجاز الممكن ..

وهنا تصبح الوعود المرقمة والمحقبة زمنيا هي الأساس ، لأنها ستكون غدا أساس التقييم وأساس إعادة بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم..

ولكن إعداد الوعود الجدية ليس بالأمر الهين خاصة إذا أرادت الجهة السياسية التي قدمتها أن تلتزم بها لو حازت على ثقة الناخبين .

الوعد هو حالة توتر واتصال بين تصور الحزب والجهة لما ينبغي أن تكون عليه البلاد وفهم عميق لطريقة اشتغال اقتصادها ولإمكانيات آلتها الإنتاجية ولإكراهات توازناتها العامة، وهنا يكمن الإشكال الأساسي اذ لا تملك جل الأحزاب نظرة عامة لمشروع طموح ولا إحاطة كافية باكراهات الواقع ولهذا تأتي الوعود متناثرة بلا نسق منهجي ولا روح جامعة فيحصل تضخم غير مدروس فيها ويعمق هذا التضخم غير المدروس أزمة الثقة المزمنة بين الحاكم والمحكوم..

نحن الآن في زمن الوعود .. ولكن حذار من الإنتشاء ومن كل حالاته المرضية ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية