وضعية ما قبل الاقتراع للرئاسية «إللي شبكها يخلصها .. !! »

ما زالت تداعيات بطاقة الإيداع الّتي بموجبها أودع نبيل القروي السجن بقرار من احدى دوائر الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس ،

تثير النقاش في الأوساط العامة وحتى في الأوساط القضائية والحقوقية عموما.

و لم يعد النقاش متوقفا على مدى صحة الإجراء الّذي مازال محل نظر القضاء على مستوى محكمة التعقيب ، بل أنه بعد الدخول في الحملة الانتخابية و بداية العد التنازلي لموعد الإنتخابات الرئاسية ، تتواتر التساؤلات حول مصير ترشح نبيل القروي و موقف القانون من هذه الوضعية الّتي تحدث لأول مرّة في تونس في ظرف استحقاقات انتخابية عادية ، كما في مختلف الأنظمة الديمقراطية .

و إهتمام جانب كبير من الرأي العام بالموضوع ليس لأن نبيل القروي هو المستهدف و إنّما لأن الوضعية تتعلّق بمترشح لرئاسة الجمهورية يتابع حملته الإنتخابية الّتي يديرها أتباعه و هو في السجن لإتهامه بتبييض الأموال والتحيّل بالخصوص ، بإعتبار أن الجرائم و المخالفات الجبائية يمكن البت فيها من القضاء المختص في المادّة الجبائية .
لن نعود إلى الجدل حول قرار دائرة الإتهام و رفض مطلب الإفراج الّذين سبق الخوض فيهما و كثر الجدل والإفتاء حولهما ، بل سنتوقف عند الوضعية «الهجينة» الراهنة لسجين مترشح لمنصب رئاسة الجمهورية تُدار حملته الإنتخابية دون حضوره.
وفي هذا المضمار تجدر الإشارة إلى أن السجين يمكن أن يكون محكوما عليه بعقوبات سالبة للحرية أو بعقوبة أشد ، أو سجين محكوم عليه من أجل جنحة ويكون في سجن شبه مفتوح ومؤهل للعمل الفلاحي ، كما يمكن ان يكون موقوفا تحفظيا و ما زالت الأفعال المنسوبة إليه محل تحقيق أو محل نظر القضاء ، و لكن تتوفّر قرائن يمكن أن تكون قوية لترجيح إدانته حسب اجتهاد الجهة الّتي أذنت بإيقافه .

ووضعية نبيل القروي تصنف في الحالة الأخيرة و رأت دائرة الإتهام أن القرائن المتوفّرة لديها تستوجب الإيقاف، رغم أن الإيقاف وسيلة إستثنائية حسب الفصل 84 من مجلة الاجراءات الجزائية ، بحيث لا يجوز إيقاف المظنون فيه إيقافا تحفظيا إلاّ في الجنايات والجنح المتلبس بها وكذلك كلما ظهرت قرائن قوية تستلزم الإيقاف باعتباره وسيلة أمن يتلافى بها اقتراف جرائم جديدة ، أو ضمانا لتنفيذ العقوبة ، أو طريقة توفر سلامة سير البحث.

فالإيقاف إستثناء لذلك أوجب القانون أن يكون قرار الإيقاف التحفظي معلّلا يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرّره و تم تحديد مدّته ، والتعليل يقتضي إثبات توفر التبريرات المشار إليها و الّتي لا يمكن معرفتها إلاّ من المباشرين للقضية من القضاة و المظنون فيه و لسان الدفاع.
فالأفعال المنسوبة للقروي حسب الإتهام تندرج ضمن التهم الّتي تستوجب عقوبات بالسجن و يمكن أن تقضي إلى حرمان المحكوم عليه، من مباشرة الوظائف أو الأنشطة المهنية أو الاجتماعية ، كما يمكن أن تفضي إلى الحكم بالمراقبة الإدارية على مرتكبي غسل الأموال ، دون أن يمنع ذلك من الحكم بكل أو بعض العقوبات التكميلية الأخرى المقرّرة قانونا مثل الحرمان من الحقوق المدنية .

ولكن هل يمكن حرمان المظنون فيه من حقوقه المدنية أو السياسية ،قبل الحكم عليه أو الحد منها أو مصادرتها مؤقتا قبل صدور حكم بات عليه ؟
هذا التساؤل يقودنا إلى التساؤل عن نطاق التدابير التحفظية الّتي يمكن اتخاذها قبل الحكم مثل المنع من السفر أو الحجز على الأموال .

بالرجوع إلى مجلة الإجراءات الجزائية يتضح أن التدابير الّتي يمكن اتخاذها تتمحور حول ضمان حضور المظنون فيه مثل اتخاذ مقر بدائرة المحكمة ،أو عدم مغادرة حدود ترابية يحددها القاضي إلا بشروط معينة، أو المنع من الظهور في أماكن معينة، أو إعلام قاضي التحقيق بالتنقلات لأماكن معينة أو الالتزام بالاستجابة للاستدعاءات الموجهة من السّلط فيما له مساس بالتتبّع الجاري ضد المظنون فيه .

كل هذه التدابير تبدو محدودة في ظاهرها و لكنها تحدّ من حرية المظنون فيه وهو خارج السجن ، ولكن تصبح غير لازمة إذا كان داخل السجن حيث يبقى على ذمّة الجهة الّتي اذنت بالإيقاف وحيث تتوقف ممارسة بعض الحقوق أو الحصول على ترخيص أو إذن من تلك الجهة، وأيضا على إدارة السجون والإصلاح و ما يكفله القانون للموقوف من حقوق داخل المؤسسة السجنية .

والقروي بصفته مترشحا يخضع مبدئيا إلى مقتضيات قانون الإنتخابات والإستفتاء الّتي من شروطها التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وهو ما يعني ألّا يكون المترشح قد طالته عقوبة تكميلية طبق مقتضيات المجلة الجزائية و القوانين الخاصّة الأخرى. ولئن كان القروي محل تتبعات قبل إعلان ترشحه، فإنه من حيث القانون لم تتخّذ في شأنه أي عقوبة أو أي تدبير وقتي يحد من حقوقه المدنية أو السياسية في إنتظار البت في تتبعه جزائيا .

من هنا يحصل الإشكال الّذي سيجعل أحد المترشحين في وضعية بين منزلتين :موقوف ومحل تتبع جزائي، من جهة، ومن جهة أخرى ،غير ممنوع من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية -مبدئيا- ولكنه في نفس الوقت يخضع لأحكام نظام السجون والإصلاح الّذي يمتّعه بحقوق المسلوب من الحرية .
و الحالة إن إستمرت على ما هي عليه ، فقد تكون تونس إزاء فائز في الدورة الاولى للإنتخابات الرئاسية ،في المركز الأوّل أو الثاني، أو فائز في النهاية يتعذّر عليه ممارسة مهامه ، فتُملي الضرورة مهزلة جديدة يصعب تصور مخرجاتها.

هذه الوضعية الغريبة غير عادية و لا شك أن وراءها خلل ما .

هذا الخلل في التشريع ، أو في الإجراءات القضائية أو في السياسة العامّة، ولكن لا أحد ينكر أنها ناجمة عن تفكك في المنظومة السياسية العامّة، التي يغيب التناسق في مساراتها ، وتُحكمُ بإرادات منفردة ، ونعتقد أن الحل سيكون طبق نفس الإرادة ، بحيث ينطبق عليها القول «اللّي شبكها يخلصها».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية