الترشح للانتخابات الرئاسية: مغامرات فردية أم مشاريع سياسية ؟

طوينا أمس اليوم الثاني للحملة الانتخابية الرسمية للرئاسية المبكرة، ونجد أنفسنا، كسائر وسائل الإعلام ،

أمام كم هائل من النشاطات والتصريحات والحوارات للمترشحين الستة والعشرين أو للناطقين باسمهم ،والمتابع الدقيق لكل هذا سيجد بعض السمين ولكن الغث – كما كان متوقعا– هو الطاغي إلى حد الآن ، ولا نعتقد أن الأيام القادمة قادرة على تقديم الجديد المفاجئ ..
لنقل بأن المشهد الحالي كان متوقعا منذ أشهر وذلك لعاملين اثنين أساسين :

• أولا : ينقسم المترشحون الستة والعشرون (تماما كما هو الحال في 2014) إلى صنفين : الجديون وغيرهم حتى لا نضطر إلى توصيفهم .. فللمرة الثانية على التوالي يتقدم عدد هام إلى الانتخابات الرئاسية (حوالي النصف ) بلا مشروع ولا برامج ولا قدرة ولو جزئية على الانجاز ..يتقدمون فقط لدوافع نرجسية بعضها معلوم وجلها مجهول ، وهم يتمكنون من ذلك لان شروط الترشح للرئاسية مازالت دون الصرامة الديمقراطية المطلوبة إذ اتضح للمرة الثانية أن شروط التزكيات الشعبية – على أهميتها - ليست بعد كافية لإبعاد هذا الصنف من السباق الرئاسي ، وإبعاد هذا الصنف مهم حتى لا يتم التشويش على إحدى أهم المحطات في ديمقراطيتنا الناشئة ..
لا نقول بالطبع، بوجوب حصر حق الترشح على الأحزاب الممثلة في البرلمان أو في المجالس البلدية فللمستقلين الحق أيضا في الترشح ولكن متى كانوا حاملين لمشاريع جدية ولديهم حضور معقول على الميدان ..
إن من أوكد مهام البرلمان الجديد هو الانكباب على مزيد أحكام القانون الانتخابي ومن بينه معالجة ديمقراطية لظاهرة تورم الترشحات في الرئاسية والتشريعية .فكثرة العرض لا تعني مطلقا اختيارا أفضل لعموم الناخبين .
ولكن الإشكال في ديمقراطيتنا الناشئة لا يتوقف فقط عند هذا الكم الهائل من المترشحين غير الجديين الذين يمنع وجودهم في حد ذاته قيام نقاش ديمقراطي جدي في الدور الأول ،بل يصل الأمر إلى الجزء الأهم من من نسميهم بالمترشحين الجديين.

• ثانيا : يمثل من نسميهم بالمترشحين الجديين إشكالا ثانيا لا يقل أهمية عن الإشكال الأول وهو غياب الجدية الفعلية وغلبة المغامرات الفردية على المشاريع السياسية الحقيقية ..
من حق كل مسؤول سياسي – بالمعنى العام والواسع للكلمة – أن يحلم بقيادة البلاد ولكن ذلك يستدعي استعدادا كبيرا حتى يتقدم السياسي (ة) إلى أعلى منصب في الدولة وقدرة دنيا على الإلمام الواسع بكل مشاكل البلاد وتفكير عميق في حلول جديدة .
عرض النفس أمام كل التونسيات والتونسيين يستدعي مسارا جماعيا وشخصيا خاصا..

والمسألة لا تتعلق بطول فترة المسار هذا بل بعمقها وجديتها وأصالتها وباختبار ادنى للقدرات القيادية للمعني بالترشح ..
لو نظرنا بشيء من التوسع والتسامح لوجدنا أن هذه الشروط لا تنطبق إلا على النزر اليسير من المترشحين «الجديين» لا يتجاوز عددهم في أفضل الحالات أصابع اليد الواحدة ..
ولهذا لا نجد أفكارا جديدة ولا أفقا سياسيا قادحا مع الإلمام بمشاكل البلاد وبما هو ممكن من عدمه خلال خماسية واحدة ..
جل المترشحين «الجديين» فكروا فقط في الترشح وفي تحقيق الشروط القانونية لذلك ، ولكن لم ترشحوا ؟ ولأي مشروع جديد ؟ هل هو ترشح للتموقع مستقبلا ؟ أم ترشح للاحتجاج ؟ أم ترشح لحكم البلاد؟ أم ترشح لتغيير المعطيات بعد الوصول للسلطة؟

وما يدفعنا للقول بأن المشروع هو الغائب الأكبر في هذه الانتخابات مقابل غلبة الأفكار والشعارات العامة هو غياب طرح هذه المشاريع منذ بداية سنة 2019 والاكتفاء بتصورات ووعود تصب كلها على امتداد 12 يوما دون القدرة على مناقشتها وتبيان الجدي منها من المتهافت ..
يبقى أمل وحيد وهو أن يعترف الصندوق لأصحاب المشاريع الجدية ببعض الفضل ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية