الحملة الرسمية للانتخابات: بداية الماراطون

اليوم يفصلنا فقط أسبوعان عن الدور الأول للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها وخمسة أسابيع عن موعد التشريعية وربّما سبعة أو ثمانية أسابيع

عن الدور الثاني للرئاسية. فنحن وبداية من الغد الاثنين في حملة انتخابية متواصلة لا يفصل بين مراحلها الثلاثة سوى أيام الصمت الانتخابي ويومي الاقتراع .. ماراطون انتخابي سيتأثر أيما تأثر بنتيجة الدور الأول للرئاسية والذي قد يؤسس لمشهد سياسي جديد رئاسيا وبرلمانيا ..

أكدنا في مرات سابقة أن المنافسة على أشدها هذه المرة وأن لا وجود فيها لفائز أو لفائزين بصفة مسبقة وأن النتائج قد تكون متقاربة بشكل كبير بما يوحي بأننا قد خرجنا (مؤقتا؟) من مرحلة الاستقطاب الثنائي إلى مرحلة جديدة من الاستقطاب ولكنها بقطبيات متعددة ..

هنالك ولاشك بعض الثوابت في حياتنا السياسية منذ الثورة ولكننا نجزم بأن المتغيرات ستكون اكبر انطلاقا من هذا الماراطون الانتخابي..

وأن هذا اللااستقرار السياسي النسبي لن يتوقف بعيد الانتخابات المقبلة بل لعله يزداد معها ..

26 مترشحا نهائيا للدور الأول للرئاسية ، تماما كما كان في سنة 2014 ولكن مع فوارق هامة للغاية هذه المرة مع مترشح موقوف وآخر خارج حدود الوطن ومتعلقة به بطاقة إيداع بالسجن ..

ولكن الفرق ، على أهميته، لا يقف عند هذا الحدّ ..

ففي 2014 كان هنالك متنافسان بارزان وكنا نعلم تقريبا منذ أشهر من موعد الانتخابات بأن المغفور له الباجي قائد السبسي سيكون الرئيس القادم إلا في حالة حصول مفاجأة كبرى ، أما الآن فهنالك سبعة أو ثمانية مترشحين ينطلقون ببعض حظوظ الفوز وأن الدور الأول قد يلعب على بعض عشرات الآلاف من الأصوات بين أكثر من مترشح وانه لا وجود لرابح على الورق .. فلا احد يستطيع اليوم التكهن بالثنائي الفائز في الدور الأول .

هذا اللاتحدد ليس فقط سمة الانتخابات الرئاسية بل هو أيضا ملازم للتشريعية ..

وتعدد الأقطاب هنا قد يعطينا مجلسا نيابيا جديدا بلا أغلبية، أو لنقل بلا أغلبية واضحة.

صحيح أن تغيير الروزنامة الانتخابية وتقديم الرئاسية على التشريعية سيعطي للفائزين في الدور الأول إمكانية التأثير الكبير على نتائج التشريعية ، ولكن ما دامت الانتخابات التشريعية ستعقد دون معرفة رئيس البلاد فليس من الغريب أن تكون الأغلبية البرلمانية النسبية معارضة للأغلبية الرئاسية ، وهنا كذلك سيناريوهات كثيرة ممكنة ويستحيل على احد التنبؤ بها اليوم ..

كل هذا لكي نؤكد بأن لهذه الحملات الانتخابية المتلاحقة أهمية قصوى في تحديد ملامح المشهد المقبل ، فما دام الانتصار قد يلعب على بعض عشرات آلاف الأصوات أو على مائة أو مائتي ألف فقط فهذا يعني أن أشياء كثيرة قد تتغير مع الحملة وأن خطأ اتصاليا فادحا قد يطيح بمترشحين بارزين كما أن حملة نشيطة وبأفكار جديدة قد تقلب الموازين لفائدة مرشح ما ..

هذا اللاتحدد يفرض شروطا أخلاقية إضافية على كل «الحكام» أي على كل الأطراف التي ستفصل بشكل أو بآخر في نتيجة هذه الانتخابات ونقصد هنا بداية المؤسسات الرسمية للدولة وخاصة الإدارات المحلية والجهوية وكذلك المساجد والهيئات الدستورية ولاسيما هيئة الانتخابات وهيئة الاتصال السمعي البصري ، ولكن الحكم الأهم والأخطر يبقى بلا شك وسائل الإعلام الجماهيرية أي التلفزات أولا والإذاعات ثانيا فهي التي يمكن أن تفسد اللعبة لو أرادت أن تتصرف فيها وفق هواها لا وفق القانون وأخلاقيات المهنة ..

سنغالط أنفسنا لو قلنا بأن كل وسائل الإعلام اليوم منخرطة في ما يمكن ان نسميه بـ«الوسيط النزيه» فبعضها أصبح ناطقا بوضوح باسم مرشح معين ولا يدعو لكل برامجه إلا من كان له الانسجام الأدنى مع هذا «الخط» وبعضها الآخر يظهر استقلالية في الظاهر ولكنه مصطف بصفة واضحة وراء طرف بعينه وهذا دون نسيان الأدوار المهمة لشبكات التواصل الاجتماعي وللصفحات المدعومة ودورها في التأثير ، ولو الجزئي ، في الرأي العام ..

لسنا ندري هل ستلتزم وسائل الإعلام هذه خلال الحملة الرسمية بمقتضيات القانون والأخلاقيات المهنية أم سيواصل بعضها في ممارسة نوع من الوصاية على المواطنين ،لكن الواضح ان في نزاهتها ضمان لانتخابات حرة أما لو أمعنت في توجيه الناخبين فقد تؤثر مباشرة على النتائج خاصة عندما نعلم أن الربح سيلعب على بعض عشرات آلاف الأصوات ..

بالدورات الثلاث للانتخابات العامة في خريف 2019 تكون تونس قد أجرت 8 دورات انتخابات لستة انتخابات مختلفة (تشريعيتان ورئاسيتان وتأسيسية وبلدية ) ونعتقد انه آن الأوان لاستخلاص كل العبر وللوقوف على كل الثغرات المؤسساتية والقانونية والعملية حتى لا يكون المسار الانتخابي في البلاد مستقبلا مرتهنا فقط ببعض لوبيات المال والأعمال والإعلام وان تكون قواعد اللعبة الظاهرة والباطنة متناغمة مع إرادة الناخبين لا مزيفة لها .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا