لأول مرة النهضة تدخل سباق الرئاسية بوجه مكشوف: «الحسابــــات والعقابــــات»

بعد أكثر من ثلاثة أشهر من النقاش الداخلي والمشاورات والصراعات والاختلافات ،تحسم حركة النهضة موضوع مشاركتها وطبيعة دعمها

في الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها بتزكية داخلية واسعة للشخص الثاني فيها عبد الفتاح مورو وهكذا ستكون الحركة الإسلامية في أول اختبار لها في هذا الصنف الخاص والخاص جدّا من الانتخابات ..

يعتقد البعض أن القرار شبه الاجماعي لمجلس شورى حركة النهضة جاء ضدّ رغبة مكتبها التنفيذي وخاصة رئيسها راشد الغنوشي الذي راهن علانية على «عصفور نادر» من خارج الحركة الإسلامية .ولكن هذا التحليل على صحته الظاهرية لا يأخذ بعين الاعتبار مسألة أساسية وهي عجز قيادة النهضة على العثور على هذا «العصفور النادر» لأنها اشترطت فيه شرطان لا تراهما متوفران في كل المترشحين المعنيين بـ«العصفرة» أي التوافق مع النهضة قبل وبعد الانتخابات مع قدرة لا يرقى إليها الشك بالفوز بالرئاسية ..

وهذان الشرطان لا يتوفران في نفس الوقت في كل الأسماء التي فكرت فيها النهضة من مصطفى بن جعفر إلى يوسف الشاهد مرورا بعبد الكريم الزبيدي ، هذا في العلن،ودون اعتبار الجسور الخفية مع مرشحين آخرين وخاصة نبيل القروي..

وزادت وفاة رئيس الجمهورية السابق المغفور له الباجي قائد السبسي في لخبطة الصورة لدى القيادة النهضوية وقد وضعتها تحت ضغط مضاعف : تقديم الرئاسية على التشريعية وضيق وقت فترة الحسم فكان على قيادة النهضة إما تأجيل إعلان موقفها الى ما لا نهاية له وهو ما يجعل منها حركة غير جدية وغير قادرة على حسم مسألة بهذه الأهمية في آجال معقولة أو الانتقال إلى الخطة (ب) البديلة وهي ترشيح شخصية من داخلها ..

ما حصل يوم أول أمس هو حل ظرفي يحفظ للحركة الإسلامية مظاهر وحدتها الداخلية ويعبئ، قدر الإمكان قواعدها ، ويؤجل حسمها النهائي إذ لا يعتقد أي قيادي نهضوي في احتمال فوز عبد الفتاح مورو بالرئاسية بل قصارى الأمل هو أن يبلغ الدور الثاني ،وبعد ذلك تتضح الصورة ..

ولكن هذا الحل الظرفي يطرح تحديا جديدا على حركة النهضة لا نعتقد أنها قد استعدت له وهو تجنيد كل آلتها الانتخابية لفائدة نائب رئيسها حتى تضمن له نسبة تصويت مقبولة تؤهله إلى المرور الى الدور الثاني إذ كل نتيجة أخرى تعد هزيمة نكراء لحزب يريد أن يكون مهيكلا للحياة السياسية للخماسية القادمة .

ولكن لو نزلت القواعد الإسلامية إلى الشارع للقيام بالحملة الانتخابية لمرشحها فقد تستعيد البلاد جزءا من مناخات 2012 و2013 وتتحول كل المنافسة إلى ضرورة هزم ممثل الإسلام السياسي ومشروعه المجتمعي ، وهذه وضعية لا تريد حركة النهضة أن تعيشها من جديد لذلك تراها تتحاشى منذ سنة 2015 تنظيم الاجتماعات الشعبية الضخمة وما يتبعها من مظاهر قوة تستفز مشاعر خصومها وحتى حلفائها ..

إذن حملة قوية على الميدان تعيدنا إلى مربع الاستقطاب الإيديولوجي وتخرج حركة النهضة خاسرة وذلك أيا كانت نتيجة مرشحها ..وإذا عمدت إلى حملة «لايت» بالبدلات الإفرنجية وبرابطات العنق فقد لا يكفي ذلك لتعبئة «شعب» النهضة وقد تخرج الحركة الإسلامية مهزومة بالصندوق ..

المعضلة الثانية وهي نتيجة لما سبق : أي برنامج وأي خطاب للمترشح النهضوي ؟ خطاب سياسي توافقي لا يستهوي الخصوم ولا يجذب إليه القواعد الراديكالية أم خطاب تعبوي عقائدي مشحون بالمرجعية الإسلامية فيخيف الجميع وتسقط البلاد مجددا في مربع صراع الهوية ؟

الطريق السالكة بين الخيارين وعرة وخصوم النهضة – وهم كثر – لن يغفروا لها أية زلة لا في الخطاب ولا في الشعارات ولا حتى في طريقة التعبئة .

لكل هذه المعضلات ، ولغيرها ، كانت تفضل القيادة الإسلامية « عصفورا نادرا» من خارجها حتى لا تجد نفسها من جديد في احتمال اصطدام بالنخب وبعموم الناخبين .

النهضة تريد أن تكون حزبا ككل الأحزاب وأن تستقر في منظومة الحكم حتى يندمج وجودها نهائيا في الأعيان والأذهان ولكنها تدرك أن هذه المعركة لم تربح بعد وأن حملة قوية في هذه الرئاسية السابقة لأوانها قد تؤخر من عملية الاندماج هذه لسنوات قادمة ..

ولكن المعضلة الأكبر سوف تتمثل حتما في دور ثان يترشح له عبد الفتاح مورو وتجد فيه النهضة نفسها في استقطاب من صنف أشد اذ سيتألب حينها ضدها الجميع وستكون هزيمة النهضة – لو حصلت – مدخلا لإخراجها من توافقات الحكم القادمة وهذا ما لا تريده القيادة في مون بليزير تحت أية تسمية من التسميات ..

ولعل كل هذه المخاوف ستدفع بالحركة وبمرشحها أيضا إلى إيجاد نوع من التمايز بينهما، فقد لن يكون عبد الفتاح مورو المرشح المحض للنهضة وقد يعمد الاثنان إلى منطقة وسطى تجنب النهضة هزات سياسية غير محسوبة العواقب وتعطي لمرشحها هامشا هاما من الحرية ليقود حملته بنوع من التمايز مع القواعد الأكثر راديكالية، حتى وان كان ثمن التمايز هذا هزيمة انتخابية في الرئاسية ودخولا صعبا في المنافسات التشريعية..

النهضة تريد أن تتحول من حزب الإسلام السياسي الصرف إلى حزب مدني محافظ وقد يكون عبد الفتاح مورو أحد وجوه هذا التحول ، ولكن الشروط الموضوعية لانجاز هذه النقلة الكبيرة لم تتحقق بعد وقد تكون هذه المعركة السياسية المباشرة سابقة بسنوات عديدة لمخططات أدمغة «مون بليزير» .

فعلا قد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية