في موكب مهيب لتوديع رئيسه الراحل: شعب تونس يعطي المثل و يزرع الأمل

ألقى التونسيون أمس النظرة الأخيرة على الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي في موكب خاشع، وفي التفاف عفوي وحميمي ،

يبدون فيه مجمعين على أن الراحل كان عزيزا عليهم و رمزا من رموز الجمهورية .

هذا الشعب أكّد أنه متميّز و متشبع بقيم التسامح و الديمقراطية و الاعتراف بالجميل لكل من يعمل و يناضل من أجل البلاد وكل من يساهم في بنائها بأمانة وصدق ، و هو ما يشكّل تحفيزا لهمم نساء و رجال تونس المقدمين على تبوئ مواقع السلطة عبر الاستحقاقات القادمة.
لقد كذّب الشعب المشكّكين، وبرهن على أنه يلتف حول دولته في اللّحظة الفارقة، ويعطي المثل على تمدّنه و إكباره لمناضليه و زعمائه، وهو أمر سبق أن عبرّ عنه عند إحيائه لمناقب الحبيب بورقيبة و السعي لاستعادة منهجيته، و كرّره أمس عند توديع أول رئيس منتخب ديمقراطيا في الجمهورية الثانية ، و ذلك بالحضور بكثافة والوقوف وقفة اجلال واكبار له.
لقد حضر التونسيون أمس للتعبير عن اعتزازهم بما بذله رئيسهم الراحل من مجهود لبناء لبنات الحاضر و للتأسيس لمستقبل الجمهورية .

هذه الجمهورية تدعّمت بانتهاج مسار ديمقراطي متميز وفريد في المحيط العربي بتكاتف كل الجهود، وهو ما يحسب لكل مؤسّسات الدولة المساهمة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، كما يحسب لمنظمات المجتمع المدني و لمختلف القوى السياسية الّتي قبلت الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لمعرفة خيارات الناخبين .

لقد كان الرئيس الرّاحل مهندس الآليات الّتي خلقت التوازن بتأسيسه لحزب ضمّ توجهات سياسية غير مبنية على مرجعيات فكرية موحّدة ،و كان شخصية جامعة عارفة بمكوّنات العائلة السياسية و بمتطلبات المرحلة .و لقد وجد في جمعيات المجتمع المدني الطامحة للديمقراطية سندا قويا ، بعد أن تمكّنت من استيعاب انتظارات فئات واسعة من الشعب بخصوص بناء أسس الديمقراطية الناشئة في تونس . وقد كان ذلك بفضل التجربة الّتي اكتسبتها على مرّ السنين في مختلف الأطر العلنية و شبه العلنية ،والسرّية ، و وفّرت الأدوات النافذة والفاعلة في تأطير الشباب و المثقفين ، المتشبّعين بمبادئ الجمهورية و المسكونين بهاجس تطوير البلاد و تقدّمها في جو ديمقراطي يكفل المشاركة الواسعة للمواطنين في رسم اختيارات البلاد.
لذلك تيسّر للتونسيين ، النفاذ إلى مختلف آليات العمل الديمقراطي في مجالات الرقابة والشفافية وحرية الإعلام و التعبير و آليات الارتقاء للسلطة وممارستها ، فأصبحت مكوناته في فترة قصيرة ، فاعلة في المجتمع ، لا فقط، في الدفاع عن خيارات اجتماعية ، بل أيضا مبادرة و متحفزة في الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي .

لقد ساهم الرئيس الراحل في تركيز ثقافة الانتخاب كآلية للإختيار الحر والتداول على السلطة و هو ما حسبته له مختلف فئات الشعب فخرجت أمس بمختلف الشرائح العمرية والمستويات التعليمية ، ومن مختلف المجالات المهنية، لتوديعه الوداع الأخير .

لقد قدم التونسيون صورة رائعة على قدرتهم على التجاوز و الفرز ، وعلى رفعة قيمهم الإنسانية الثابتة و أبرزوا ذلك في لوحات بسيطة و لكنها تكشف تجذرها في ثقافة عامّة الناس المتميّزة بالتسامح و الاعتدال . كما برهنت مؤسسات الدولة من جيش و أمن رئاسي و حرس وطني وأمن وطني و إدارة ، على حسن تنظيم مراسم وموكب الدفن بحرفية واقتدار في وقت وجيز، مع احترام الضوابط والأعراف الديبولمسية بمنظار تونسي ، وهو ما جعل موكب توديع الرئيس الراحل يكون بمرونة و انضباط و في أمن وأمان . و هو ما يسّفه المخاوف من الوضع في تونس، و هو ما يؤكّد للمجتمع الدولي أن تونس على صغر حجمها و محدودية مواردها ، أيقونة في المتوسط ، متميّزة في تجربتها الديمقراطية وفي توجهاتها و منهجيتها في ارساء الحريات وقيم المساواة ، رغم الصعوبات الّتي تطرأ بين الفينة والأخرى على مسارها .

لقد كان رحيل الباجي فرصة للكشف مجدّدا، لا عن تقدير الشعب للراحل فقط ، بل للتأكيد أيضا على تميّز تونس ، وعلى قدرتها على زرع الأمل بتهيئتها بسلاسة ، للمناخ الكفيل بالتجاوز والتقدّم نحو الأفضل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية