حول قرار «الهايكا» الخاصّ بالإعلام الدينيّ

اتّخذت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري بتاريخ 10 جوان2019 جملة من القرارات حول مسألة توظيف وسائل الإعلام

في جمع التبرعات ، وفي شأن إسناد إجازات الإعلام الديني إضافة إلى استعمال القرآن الكريم والأحاديث النبوية في الاتصال التجاري.وهي قرارات مهمّة من أجل إصلاح القطاع وتعديل الممارسات السائدة وترسيخ ضوابط العمل المهني.

ولئن تأخّر قرار تنظيم التبرّعات في وسائل الإعلام فإنّ صدوره في سياق استشرى فيه الفساد، يعدّ خطوة إيجابيّة من أجل الحدّ من هذه الظاهرة، من جهة، وحفظ كرامة المعوزين، وحقوق الأفراد، وخاصّة الأطفال، من جهة أخرى. والهيئة إذ تقرّر التصدّي للممارسات الفوضويّة تثبت أوّلا :التزامها بأداء مسؤولياتها حتى موعد تعيين أعضاء الهيئة الجديدة رغم الجدل الذي اثير حول ‹مشروعيّة› قراراتها، وثانيا : تدخّلها السريع في القطاع حتى لا تستفحل بعض الظواهر ويقال : «أين الهايكا لمَ لم تتدخّل؟»

غير أنّ منع توظيف النصوص الدينية في الإشهار وحصر إسناد إجازات إحداث واستغلال القنوات التلفزية والإذاعية الدينية للإعلام العمومي دون سواه لا يمكن، في نظرنا، أن يفضي إلى تحويل الإعلام الديني إلى إعلام مسؤول، ومنضبط للمواد التي تضمنّها الدستور والتي تضمن الحريات الفردية والتعددية والتنوع وتيسّر في الآن نفسه، العيش معا.

فبرصد مواد إعلامية تبثّها قناة الإنسان على سبيل المثال تبيّن لنا العنف الممارس على مكتسبات التونسيين وحجم الخطر الداهم، إن كان على مؤسساتنا التربوية، أو بنية العلاقات الاجتماعية أو البنى الذهنية أو وضع الحريات في بلادنا . ففي السياق الذي تراجع فيه موقع الدعاة الإسلاميين في مصر والسعودية و... ، وفقد خطابهم مركز الهيمنة ، وأعلنت فئة منهم التوبة أو اعتذرت للجماهير عن التضليل والتلاعب بالعقول والقلوب واغلقت فيه قنوات فضائية كثيرة نجد أنّ عددا من المهتمين بالشأن الديني، (من الجنسين ) في بلادنا باتوا مفتونين بتقمّص صورة «الداعية الإسلامي»، وقد انطلقوا في ممارسة الدعوة غير مكترثين بالتحولات الطارئة، ضاربين عرض الحائط المواد والقوانين التي تكرّس مدنية الدولة وقيم الحرية والكرامة والمساواة وغيرها، بل إنّ عددا منهم لا يجد حرجا في مناهضة القوانين الوضعيّة وفي بث خطاب الكراهية.

وفي إطار ما تفرضه الحوكمة والمساءلة والمحاسبة من شروط نتساءل ما موقف الهايكا والدولة من الخطابات المنتشرة في إذاعة الزيتونة أو في قناة الناس...؟ فهذا أحد الدعاة (د.مختار الجبالي) يُستفتى حول فتاة تصرخ قبل النوم فيردّ أنّ ذلك علامة على «المسّ» وعلى حضور «الجنون في البيت» ثمّ يسأل الأمّ هل إنّ ابنتها تصلّي؟ ويلحّ عليها حتّى «تكبس على ابنتها حتى تصلي» ويؤنّبها لأنّها لم تسمح لابنتها أن «تتديّن في سنّ السابعة».؟

ما الموقف حين يحدّثنا د/الداعية عن «النصراني الكافر» ويعاتب الأمّ على عدم التزامها بالشرع إذ يجب على الأولياء انطلاقا من بلوغ أبنائهم سنّ 4 و6 أن يأمروا أولادهم بالصلاة وأن «يضربوهم» عليها، ويجب عليهم الاحتفاء بالولد المصلي لأنّه أصبح «مسلما» وعليهم نبذ «الحفلات الدخيلة للكفار ومن هم ليسوا من ملّتنا» واستبدالها بحفلات «شرعيّة» نهدي فيها الأطفال «العرّاقية والقميص والسجادة، والخمار» و«أن نعوّد الفتيات على «لبس الحجاب منذ الصغر»؟

لا يخرج الخطاب الوعظي عن إطار الاحتجاج بالنصوص، «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة»، فمن ترك الصلاة فقد كفر «لبيان عقوبة تارك الصلاة» إذ أنّها «جريمة». فالذي لا يصلّي «مقطوعة صلته بالله تتلبس به الشياطين». وهكذا تكون الإجابة الشافية بخصوص الصراخ والتعب النفسيّ، ومن «برك عليها بوتليس»: «الاغتسال والصلاة ، وحفظ شرع الله، والقيام بالأدعية، والاحتجاب، وتف تف ...» ذلك أنّ الفتاة ذات 18 سنة (التي لا يعرفها الداعية)هي «مضيعه فرائض ربي ،مسكينة ما تصليش، وكان عرست راي عندها 4 صغار، متبرجّة وعريانة مش متسترة بالحجاب يطمعو فيها الشياطين والإنس»، (https://www.youtube.com/watch?v=6GnVotKu9L8)

هذه عيّنة من الخطابات الدعوية التي تمرّ ، والقوم في غفلة من أمرهم،لا يدركون كيف يتسرّب الفكر الميثي إلى بيوتنا فتغدو معركة المسلم/ة لا مع الخمول والفقر، الفساد، الظلم... بل مع الشيطان والجنّ، وهو أمر يثبّت العبودية الجديدة التي يحاول المشتغلون بالدعوي تكريسها فيتحوّل ‘سيدي الشيخ’ إلى العالم والمعالج والطبيب النفسي...وحين يستبدل العلم بالخرافة والطقسنة، فلا تسل لماذا يتمأسس الجهل.

وفي الوقت الذي يعمل الفاعلون في التعليم والثقافة، والمجال الحقوقي والسياسي على تغيير بنى الوعي وتحصين المواطنين بالمعارف وبثقافة المواطنة يسعى آخرون إلى تسييج المواطن في دائرة الأفق الأخروي فيغدو همّه تحصين نفسه بالأدعية صباحا مساء، وفي السياق الذي صدرت فيه قوانين تحمي حقوق الأطفال والنساء ينتشر خطاب القوامة ليعّزز سلطة المجتمع البطريكي. فهل من قرارات جريئة تحرّر التونسيين من سلطة هؤلاء المستغلّين لمكاسب الحداثة المادية للعودة بنا إلى مناقشة قضايا خلنا إنّنا تجاوزناها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا