الأول أعلن ترشحه للرئاسية والثانية في طريقها إلى الإعلان: ما يقوم به نبيل القروي وألفة تراس مخالف للأخلاق وتحيل على القانون ولكن هل الحلّ في المنع !!

تحدثنا يوم أمس عن الشروط التي فرضها القانون على الأحزاب السياسية وخاصة من حيث تمويلها كمنع التمويل الأجنبي وتسقيف

مساهمات الأفراد وحظر تمويل الأشخاص المعنويين وتحجير تقديم منافع نقدية أو عينية للمواطنين ، وكل هذه التضييقات لا توجد بالنسبة للعمل الجمعياتي وخاصة الخيري منه ولكن الإشكال في تونس اليوم هو تحيل بعضهم على روح القانون ونصه بخلق شبكة زبونية عبر جمعيات مثل « خليل تونس» و«عيش تونسي» بأموال طائلة خارجية ومحلية وبإشهار سياسي على مدار الساعة بالنسبة لنبيل القروي في قناته وبواسطة ومضات اشهارية يومية لجمعية «عيش تونسي» وصاحبتها الفة تراس دون مراعاة أدنى شرط من الشروط المفروضة على الأحزاب باعتبارها تتنافس على السلطة . ثم بعد تكوين رصيد شعبي عبر هذه الوسائل الممنوعة على الأحزاب يتحول أصحابها من العمل الخيري إلى إعلان نية الترشح للانتخابات الرئاسية والتشريعية مع مواصلة الاستفادة من الشبكات الزبونية ومن إعلام مسخر كلية لخدمة هدف الوصول الى السلطة .

كيف يمكن أن نوصف هذا السلوك ؟انه ببساطة تحيل على الناخبين ومحاولة تأسيس تنافس انتخابي غير متكافئ ، وهذا السلوك إنما يدل على احتقار للديمقراطية ولنواميس الدولة واعتبار صوت الناخب بضاعة تشترى بوسائل شتى، سلوك لا نجده إلا في جمهوريات الموز أو في النظم الطائفية المبنية على حكم العائلات واللوبيات ..

يحق لكل مواطن من داخل الأحزاب ومن خارجها الترشح للبرلمان او للرئاسة أو لما يشاء شريطة احترام قواعد التنافس النزيه والالتزام بروح القوانين حتى في حالة غياب نص صريح يمنع تصرفا مشبوها اخلاقيا وسياسيا ، ولكن يبدو أن بعض المغامرين يعتقدون ان السلطة قد تهاوت وانه بإمكانهم أخذها فقط ببذل المال وشراء الذمم..

ولكن هل يبيح ما قلناه سن قانون جديد يمنع هؤلاء المغامرين من الترشح ؟

لو تلافينا الأمر في بداية هذه العهدة وأخذنا العبرة من مغامري الأمس ، كالهاشمي الحامدي وسليم الرياحي ، لملإ الفراغ التشريعي، لكان ذلك عين الصواب ولكن من فاز بالانتخابات تحالف مع بعض المغامرين ولم يسع مطلقا لاخلقة دنيا للعمل السياسي بل وجدنا بعض شقوقه تقتات من موائد شبكات فاسدة مفسدة..

اليوم تريد الحكومة – حسب تسريبات مؤكدة – أن تتلافى هذا التقصير وأن تقوم خلال مناقشة تنقيح قانون الانتخابات بإضافة فصول تفرض على المترشحين للتشريعية والرئاسية أن يكونوا محترمين – على امتداد السنة الانتخابية – لكل الشروط والقيود المفروضة على الأحزاب والتي اشرنا إليها آنفا وبإعطاء الهيئة العليا للانتخابات الحق في رفض الترشح في صورة تأكدها من حصول مخالفات أو حتى بإسقاط القائمات إذا حصل التأكد من اقتراف المخالفات بعد الانتخابات ، بعبارة اخرى لو مرت هذه التعديلات فلن يتمكن نبيل القروي وألفة التراس من الترشح وكذلك الأمر بالنسبة لمشروعيهما السياسيين الضامرين .

وما نعلمه هو ان هذه التعديلات المتعلقة بأربعة فصول قد تم عرضها على مختلف كتل المجلس للتشاور حولها ولحشد أوسع اتفاق عليها .

الإشكال في رأينا أن كل هذه العملية لن تخدم سوى المتلاعبين بالقانون لأنها ستظهرهم في مظهر الضحية التي تحالفت ضدها كامل أو جلّ المنظومة الحزبية من اجل إقصائها من المنافسة، وان هذا الإقصاء لم يكن ليفكر فيه لو لم تعط عمليات سبر الآراء الأخيرة التقدم لنبيل القروي في نوايا التصويت للرئاسية
المسالة الثانية والأساسية بالنسبة لنا هي المفعول الرجعي لهذه التنقيحات مهما كانت صياغتها القانونية اي إصدار قانون يجرّم سلوكا سابقا عليها حتى وان كان انصار التقنين يرون فيه حماية للديمقراطية الناشئة من تحيل المغامرين ، ولكن الديمقراطية لا تقاوم خصومها الا بالياتها هي فقط اي بالمقتضيات التي تبيحها دولة القانون ومن بينها الا يكون هنالك مفعول رجعي للقوانين خاصة اذا ما كان المقصود بها التضييق على ما كان ممكنا بالأمس ..

ولكن لعل الأخطر في هذا المسعى التقنيني لقواعد اللعبة الانتخابية ونحن على مشارف الانتخابات العامة هو انعدام الإيمان بالسياسة عند جهة المبادرة أي اعتبار أن تحيل المغامرين مسالة حاصلة ونهائية وانهم سيربحون الانتخابات الا إذا منعوا بنص القانون وينسون ان هنالك معركة انتخابية قادمة بعيد أيام وان تبيان عناصر هذا التحيل والعمل على فضحه وتفسير آلياته للناس بإمكانه أن يقلب الموازين بكل يسر دون اللجوء الى تشريع يذكر – ولو من بعد – بالمناخات الفاشستية ويوحي بخوف المنظومة الحزبية على مواقعها ..

من حق التونسيين ان يشهدوا معركة انتخابية فعلية حول أمهات القضايا ومن بينها الشروط الأخلاقية والقانونية لممارسة السياسة وللتقدم لتمثيل المواطنين .

ولكن لعل الأبعد عن مجال أخلاق السياسة بما هي أخلاق الفضاء العام أولئك الذين يبررون التحيل على مبادئها ويناصرون خروج المغامرين على مقتضيات القانون تملقا وتزلفا ورغبة فقط في ضمان الحضور التلفزي اليوم وغدا..

إنها الانتهازية بعينها عندما يدافع من يدعون أنفسهم أنصار القانون والعدالة وشفافية الحياة العامة عن ممارسات لا علاقة لها البتة بكل هذه المبادئ ..

فعلا السياسة أخلاق أولا ، واستعداد لخدمة الصالح العام ، ولكن عندما تتحول السياسة الى منافع ومصالح وزبائن عند الحكم وعند بعض المعارضات أيضا تصبح مبادرات كل هذه الأطراف مجلبة للريبة ومشكوكا في صدق نواياها وتفتح طريقا سيارة لكل المغامرين..

لو كانت الأحزاب التي تريد منع المغامرين من التلاعب بأصوات الناخبين صادقة فلتبدأ بإزاحة هذا الكم الهائل من الانتهازيين والمستقلين من صفوفها ، وإلا كانت كالشيطان الذي لا ينهى إلا عن المنكر المضر بمصالحه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا