مع اقتراب المواعيد الانتخابية: كيف يحدد التونسي اختياره؟

ما هي محددات التصويت في الانتخابات عند التونسي (ة) ؟ هل هي إيديولوجية (الهوية) أم عقلانية (البرنامج) أم

انطباعية (شخصية المترشح) ؟ وما هي المؤثرات الأساسية في اختياره وهل أن الهيكلي القار فيها هو الأساسي أم العرضي وبمن يتأثر التونسي ؟ بوسائل الإعلام أم بمحيطه المباشر ؟

أسئلة جوهرية لو رمنا التعرف على ما يمكن أن نسميه بمعقولية الدوافع الانتخابية، والمعقولية هنا تدمج ضرورة اللاعقلاني أي العاطفي والتخيلي باعتباره بعدا أساسيا في اختيار كل فرد ..

لنقر في البداية بصعوبة إيجاد أجوبة قاطعة وواضحة على كل هذه الأسئلة ، وحتى سبر آراء المحددات المباشرة والبعيدة للتصويت لا يفيدنا إلا بصفة إجمالية إذ ينبغي تقطيع هذه الأسئلة المركبة والمعقدة إلى وحدات سهلة نسبيا حتى لا يكون التعقيد سببا في استحالة قراءة النتائج..

نحن نعلم بعض المحددات الكبرى للمناخ الذي يتنزل فيه تصويت التونسيين كما يبين ذلك التحقيق الضخم الذي قامت به مؤسسة سيغما كونساي منذ أكثر من سنة والذي تضمن حوالي 300 سؤال شملت كل المحددات السوسيولوجية للتونسيين..

ولكن عندما نستعرض كل العناصر المحددة لسوسيولوجية التونسي والآراء التي يعبر عنها وسلم الأولويات بالنسبة اليه فكل هذا لا يعني أن هنالك سلوكا انتخابيا أحادي الجانب ..

في عملية سبر الآراء هذه الواسعة يعرف %46 من التونسيين أنفسهم بأنهم مسلمون بداية بينما يصرح %41 بأنهم تونسيون قبل كل شيء .. وبالطبع فهذه الثنائية ليست صدامية أي أن التونسي يعتبر نفسه مسلما كذلك والعكس بالعكس ولكن هل يعني هذا أن كل من يعتبر نفسه مسلما سيصوت لحزب ديني أو ذي مرجعية دينية ؟

بالطبع لا ولكن يعطي هذا تلوينا خاصا لسلوكيات التصويت ..

فعندما نرى تركيبة من صوت للنهضة في تشريعية 2014 نجد أن %58.4 منهم اعتبروا أنفسهم مسلمين بينما قال %31.7من الذين صوتوا للنهضة بأنهم تونسيون أيضا والعكس كان هو وضع القاعدة الندائية : %51.1 من الذين يعتبرون أنفسهم تونسيين بداية و%36 يغلبون الانتماء الديني على الوطني ، وكذا الأمر في جل الأبعاد الأخرى ولكن يظل المحدد لعملية الاختيار قصد التصويت معقدا ويلعب فيه المحيط المباشر (العائلة أو الأصدقاء أو المهنة) دورا أساسيا .. وهذا ليس حال التونسيين لوحدهم بل حال كل شعوب النظم الديمقراطية ولكن ما لم يكتمل بعد في بلادنا هو وجود تقاليد عائلية قوية تجعل من تصويت معين نوعا من الوفاء للقيم العائلية ومن ثمة الشخصية ..

صحيح أن هنالك عائلات بدت عليها صبغة إيديولوجية أو سياسية طاغية : إسلامية أو دستورية أو يسارية أو قومية ولكن جلّ العائلات لا تتوفر على هذا التراث الخاص في التصويت والانتماء الفكري والسياسي بما يجعل التصويت متحولا بصفة هامة من انتخابات إلى أخرى ..

التأثير والتأثر يأتي إذن من المحيط المباشر للشخص وفق استحضار معقد للمعطيات والأفكار يأتي بعضها من وسائل الإعلام الجماهيرية وجلها من وسائل الاتصال الاجتماعي ولكن المزج ومن ثمة القرار يطبخ بصفة ضيقة داخل الدوائر العائلية والشخصية لكل مواطن على حدة فإشارة احد افراد العائلة وخاصة ان كان من ذوي التاثير ومعترفا له برجاحة الرأي داخل وسطه العائلي ستكون اكبر أثرا من كل المؤثرات الخارجية الأخرى سواء جاءت عبر وسائل الإعلام الكلاسيكية أو غيرها ..

ولكن يجب أن نضيف عنصرا آخر لا يقل أهمية عن كل ما سبق وهو شعور اغلب التونسيين بعدم الاستقرار وبتردي أوضاعهم المعيشية وبتراجع فسحة الأمل وإمكان التحسن الجدي على المدى المنظور .. وكان الجواب الانتخابي في السنة الفارطة هو العزوف عن صندوق الاقتراع ولكن الأمر قد يتغير هذه السنة فالانتخابات العامة لها وقع وسحر

لا تملكه الانتخابات المحلية على اهميتها ثم إن الإحساس بارتباط مصيرنا ومصير أبنائنا بالانتخابات سيدفع ، حسب الأرجح ، إلى مشاركة في مستوى 2014 على الأقل ونحن نلاحظ بواكير تصويت عقابي لكل من حكم البلاد أو ساهم في حكمها حتى من جهة المعارضة ..

لاشك أن الاختيار لم يتحدد بصفة نهائية لجل التونسيين وان الحديث عن المرشحين الفعليين لم يبدأ بعد ومن هنا الى بداية الحملة التشريعية مازالت تفصلنا أربعة أشهر قد تحمل متغيرات جديدة ..

ولكن ما ينبغي إدراكه منذ الآن أن الإعلام والسياسيين وسبر آراء نوايا التصويت لا يملكون ، مجتمعين ، صنع الرأي العام حتى لو اعتقدوا ذلك وان كل إستراتيجية تهدف للتأثير على الناخبين مهما كانت ذكية ستكون نتائجها عكسية ..

وضع تونس والعالم اليوم يبين حدود كل الاستراتيجيات الاتصالية في عالم السياسة ..

الشكل هام ولاشك ولكنه لن يعوض مطلقا المضمون أي المنجز الفعلي بالنسبة للحكام والمقترح العملي بالنسبة للمعارضين ..

أخيرا ما دامت حلقة القرار الأساسية هي المحيط المباشر لكل فرد فلا يمكن النجاح لأي حزب أو ائتلاف ما لم يسع إلى الاقتراب من هذه الدوائر الشخصية ويعمد إلى إستراتيجية الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة : الاتصال المباشر ..

فالسياسة في نهاية الأمر هي كسب الناس لا تحبير البيانات

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا