من التصويت المعارض إلى التصويت المعاقب: هل تلفظ الانتخابات القادمة منظومة الأحزاب ؟ !

لا حديث لجزء هام من التونسيين اليوم إلا عن اقتراب المواعيد الانتخابية والتساؤل الذي

يطرح اليوم من جديد : لمن سنصوت هذه المرة ؟وهل سنصوت أم لا ؟ وهل هنالك من يستحق أن نصوت له ؟

في المقابل الشغل الشاغل للنخب السياسية والإعلامية اليوم هو النتائج الأخيرة لسبر الآراء وهل أن تراجع أحزاب وشخصيات الحكم مسألة جدية أم هو تلاعب من قبل بعض «المطابخ» المظلمة؟ وما هي النوايا المعلنة والمبيتة؟ ولم صعد فلان ونزل علان؟ .. بل ورأينا رئيس الجمهورية ذاته عندما أراد أن يهنئ الشعب التونسي ببداية رمضان قدر ركز هو بدوره على الانتخابات القادمة وعلى نتائج سبر الآراء و«الأسرار» الخفية التي قد تكون وراءها..

يبدو لنا أن الجزء الاهم من الطبقة السياسية متأخر دوما بحرب كما يقال فهو دوما يخوض الحروب المنتهية ولا ينتبه للحرب الماثلة أمامه في نوع من إنكارية للواقع لا نفهم مبرراتها ..

يمكن للسياسيين أن يضيعوا وقتا كثيرا في مناقشة صدقية عمليات نوايا التصويت من عدمها ولكن نعتقد أن الأحرى بهم الوقوف جيدا عند الصورة الأولية التي تتجلى من خلال عمليات سبر الآراء الأخيرة ومحاولة فهم محددات ودوافع نوايا التصويت عند التونسيات والتونسيين ..

نوايا التصويت ، كما أكدنا ذلك في كل مناسبة حللنا فيها الأرقام التي تنجزها لـ «المغرب» مؤسسة سيغما كونساي ، هي صورة وقتية وتقريبية للتوازنات السياسية من زاوية نظر المواطنين وهي صورة لا تملك قدرة تنبؤية بما ستكون عليه الانتخابات حقا ولكنها تعطينا التوجهات الكبرى للرأي العام في لحظة زمنية محددة وينبغي أن تؤخذ نتائج نوايا التصويت بهذا المعنى لا باعتبارها أرقاما دقيقة ثابتة ..

ماذا تقول لنا نوايا التصويت التي أعدتها مؤسسة سيغما كونساي ونشرنا تفاصيلها في عددنا ليوم الأحد الفارط : الأحزاب الخمسة الأولى هي ما بين %10 و%20 بدءا بالتيار الديمقراطي (%10.1) فنداء تونس (%11.1)فالحزب الدستوري الحر ((%14.7 ثم تحيا تونس (%16.5) فحركة النهضة (%18.0)

وهذه هي المرة الأولى منذ الثورة التي تكون لنا فيها صورة كهذه: غياب حزب مهيمن (2011) أو حزبين طاغيين (2014) إلى تذرر حزبي قد ينتج عنه برلمان بلا أغلبية واضحة للحكم ..

ولكن الهام في كل هذا لا يكمن في هذه الأرقام بل في الاتجاه العام الذي تعبر عنه وهو تراجع أحزاب الحكم – كل أحزاب الحكم – في انتظار أن يستقر الحزب الوليد تحيا تونس وصعود ما يمكن أن نسميه بأحزاب المعارضة الراديكالية وهي الحزب الدستوري الحر والتيار الديمقراطي وبدرجة اقل الجبهة الشعبية .. لا شك أننا أمام أحزاب لا يكاد يجمع بينها شيء وخاصة بين الدستوري الحر من جهة والتيار والجبهة من جهة أخرى ولكن بالنسبة للناخب هذه الأحزاب هي ملجؤه الحزبي ..عندما يريد الاحتجاج على أحزاب الحكم .. وفي الاحتجاج هنالك أيضا نوع من التصويت المفيد يذهب الى الأحزاب التي يعتقد المحتج أنها الأقدر من غيرها على هزم الائتلاف الحاكم ..ولكن رغم كل شيء نبقى في مستوى نوع من العقلانية التي تعبر عن الغضب على منظومة الحكم ..

عندما نمعن النظر في الاتجاهات العامة لنوايا التصويت في الرئاسية (قيس سعيد بـ%22.4 ونبيل القروي بـ%21.8 وعبير موسي بـ%12.4 ويوسف الشاهد بـ%7.4) نرى أننا بصدد التحول من التصويت الاحتجاجي إلى التصويت العقابي الذي يلفظ المنظومة برمتها ، إذ نجد أن كل الشخصيات التي تمثل من قريب آو بعيد الائتلاف الحاكم لا تصل مجتمعة إلى %20 من نوايا الأصوات فهذا يعني أن مستوى لفظ منظومة الحكم بأسرها قد وصل إلى درجة عميقة وغير مسبوقة منذ الثورة إلى الآن ..

ما معنى ان يتحصل شخصان كقيس سعيد ونبيل القروي على حوالي نصف نوايا التصويت في الرئاسية ؟

الرسالة واضحة : رفض كلي لكل الشخصيات التي حكمت منذ 2011 أو امتهنت المعارضة فالكل في نظر جزء هام من التونسيين مسؤول على تردي الأوضاع ولذلك ننتقل من الاحتجاج إلى العقاب ومن التصويت للمعارضين إلى التصويت للخارجين كلية عن المنظومة السياسية ..

في اعتقادنا هذه هي الرسالة السياسية الأساسية التي وجهها التونسيون من خلال عمليات نوايا التصويت الأخيرة ولذا يكون التساؤل حول صدقية مؤسسات سبر الآراء وجديتها هو نوع من إنكار الواقع لا لعدم شرعية هذا التساؤل بل لان الموضوع اخطر بكثير من ذلك فليست مؤسسات سبر الآراء هي التي تهدد الديمقراطية بل هذا الرفض الشامل الذي وصل إلى مستوى اللفظ لكامل المنظومة السياسية هو الذي يهدد الديمقراطية بفتح طريق سيارة أمام خصومها التاريخيين : الشعبوية والفاشستية ..

وهذا اللفظ هو الذي يبين خور كامل المنظومة السياسية بإتباعها لإستراتجيتين متضافرتين : البقاء في السلطة كغاية في حد ذاتها بالنسبة للحكام والنقد الحاد والجذري لها كمشروع شبه وحيد للمعارضين ..

التونسيون بصدد القول للسياسيين بأن خصوماتكم هذه واستراتيجيات البقاء في السلطة او محاولة الوصول إليها لا تعنينا فنحن نريد «ناس نظاف» أو «ناس يروفو على الزوالي» لا أناس يقضون كل وقتهم في التخاصم بينهم من اجل هدف واحد : كرسي الحكم ..

لاشك أن هذه الرسالة قاسية وغير منصفة للعديد من السياسيين سواء أكانوا في السلطة أو في المعارضة ولكن هذه الصورة المسطحة إلى حد كبير هي الآن بصدد تشكيل المخيال الجماعي للجزء الأكبر من الناخبين ..

ولكن مازالت تفصلنا 5 أشهر عن الانتخابات، ومن مزايا سبر الآراء ، رغم كل ما يقال ، أنها تسمح بالوقوف عند تحولات سلوك الناخبين المتسم بعدم الاستقرار بصفة كبيرة.نحن إزاء صفارة إنذار قصد تغيير العرض الانتخابي للسياسيين والاستجابة لمطلب الحماية الذي يتفاقم من يوم الى آخر ، حماية لا فقط من الإرهاب والانحراف والخارجين عن القانون ولكن أيضا حماية من غوائل الدهر ومن انعدام الأفق ومن قلة ما في اليد ..

لنراهن منذ الآن أن التصويت في 2019 لن يكون على الهوية ولن يكون ايضا على البرامج بل على ثنائية الثقة / الحماية في زمن احتدت فيه أزمة الثقة بين السياسيين والشعب وانعدم فيه الإحساس بأن الحاكم هو حام وراع لشعبه ..

المستقبل ليس مكتوبا ولا شيء قد تحدد بعد ولكن الإصرار على عدم فهم الرسالة سيؤدي بالجميع إلى الكارثة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا