في مرحلة يكثر فيها الارتجال أين هؤلاء؟

عرفت تونس عدّة أزمات قبل 2011 ولكن كانت المعالجة حازمة منذ ظهورها بفضل كفاءات في الدولة

وخاصة في الإطارات الإدارية المتخرجة من المدارس والمعاهد العليا والجامعات التونسية ومن الخارج.

نقصد بهؤلاء على سبيل الذكر لا الحصر، محمّد الغنوشي، أحمد فريعة، محمّد نوري الجويني ، مصطفى كمال النابلي، محمّد جغام، عبد الحكيم بوراوي، توفيق بكار ، الصادق رابح، رشيد قشيش، محمد النابلي، الحاج قلاعي وغيرهم..
بعض هؤلاء كانوا يباشرون مهامهم سنة 2011 ولكن وقع استبعاد من كان في الصفوف الأمامية، ثم تمّ استبعاد الإطارات العليا في الإدارة، الّتي أُفرغت شيئا فشيئا حتى من الكفاءات الوسطى.

هذا الإستبعاد لم يتوقّف عند سحب الملفات الكبرى منهم العارفين بها، بل تمّ إستهداف بعضهم بالتتبعات القضائية وأحيل البعض الآخر على التقاعد القسري، وأجبر البعض الآخر على الهجرة أو البقاء على هامش الشأن العام يديرون أصابعهم للهواء على حافة الانهيار العصبي.
ورغم افتراض ألا تتخلّى الدولة عن كفاءاتها الّتي برهنت على قدراتها في التسيير والتصرّف في أصعب الظروف، ورغم التشدق بالعدالة الانتقالية وبالمصالحة الوطنية، فإن الماسكين بالسلطة في مختلف المراحل، كانوا حريصين على أن يلف النسيان هؤلاء، باستثناء من أمكن إبتزازهم بطريقة أو أخرى.

لذلك أمكن لبعض محترفي السياسة - القادرين على ملاعبة الثعابين – أن «يتطهّروا» من ماضيهم ويصبحوا في الصفوف الأمامية للواجهة السياسية ، في حين تمّ تجاهل الكفاءات، أو التنكيل ببعضهم ، رغم التسليم بقدراتهم على الفعل الإيجابي في مواجهة الأزمات و إيجاد الحلول واستنباطها لتجاوز الظروف الصعبة.

لقد سبق أن أكدنا أن استعمال شعار «تحصين الثورة» لإستبعاد العديد من الكفاءات في تعمّد سافر لخلط الحابل بالنابل، ودون تمييز بين من ضلع فعلا في الفساد وبين من كان يعمل بجد ووطنية. واتضح أن الهدف من السعي إلى تشريع هذا الشعار ليس الحفاظ على ما حقّقه الشعب من مكاسب، وإنما توفير كل مستلزمات البقاء في السلطة. والدليل على ذلك أن موقعي «الميثاق الوطني» سنة 1988 لم يشملهم التحصين «وكذلك كل الأشخاص والتشكيلات الحزبية الّتي سايرت أو تعاونت مع نظام بن علي أو إستفادت من إمتيازات خصّها بها، ومنها كل الأطراف والأشخاص الّذين كانوا وراء التشكيلات التي مارست الإرهاب بشكل أو بآخر واعتدت على الأملاك وعلى الناس، والتي إستفادت من أي إجراء إيجابي تجاهها بما في ذلك العفو أو تسهيل السفر إلى الخارج و بصور عامّة كلّ «مساعدة» صدرت عن بن علي أو عن المقرّبين منه.

ومن المفارقات أن استبعاد الكفاءات لا يقابلها التعويل على كفاءات جديدة شابة، بل عرفت تونس في السنوات الأخيرة أشخاصا في جانب كبير منهم، بلا كفاءة ولا ماضي نضالي ولا قدرات معرفية او تميّز سياسي أو فكري. ويكفي للتدليل على ذلك إستعراض أسماء الوزراء الّذين تداولوا على الحقائب الوزارية أو ما زالوا ماسكين بها ، واستعراض أرائهم ومساهماتهم الضحلة في الشأن العام والخاص، للوقوف على أسباب الانتكاس والتدهور والضبابية السياسية.

و برزت ظاهرة التعويل على الأجانب حتى في شؤون ضيّقة يكون التونسيون على دراية بها أكثر من غيرهم. لذلك تقف تونس حائرة في نقاش اتفاقيات و تجد نفسها أحيانا ترفض الإنخراط في بعض الإتفاقيات دون أن تكون قادرة على تعليل رفضها أو تقديم البديل كما يحصل اليوم بخصوص الأليكا، أو ما يحصل بخصوص توصيات بنك النقد الدولي أو غيره من المؤسسات المالية

لقد برهنت الإدارة التونسية إبان جانفي 2011 أنها اكتسبت تقاليد الادارة الحديثة، وبرهنت العديد من الشخصيات والكفاءات التونسية أنها متمكنة من آليات الإدارة والتسيير والتصرف، والرجوع للتعويل على خبرتها - ولو بعد فترة طويلة – يمكن أن يساعد على تجنب الارتجال، الّذي ماتزال تعاني ويلاته.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499