على هامش مأساة السبالة بسيدي بوزيد: الريف والمدينة أو ثنائية التمييز الأساسي في تونس

مازال التونسيون يعيشون تحت وطأة صدمة المأساة الإنسانية التي جدت بمنطقة

السبالة بولاية سيدي بوزيد..
ولقد كشفت هذه الدراما الإنسانية التي ذهب ضحيتها 12 مواطنة ومواطنا جزءا من مأساة أعمق وأشمل تتعلق بظروف عمل وتنقل مئات الآلاف من العملة الفلاحيين وكيف أصبحوا المتحولة التعديلية (la variable d’ajustement) لما بقي لنا من رفاه أدنى اجتماعي نحن سكان المدن..
حادثة السبالة فتحت أعيننا على واقع يومي كنا نرفض أو لا نرغب في رؤيته وهو الوضعية المعيشية والشغلية والمعنوية لعالم كامل يعيش معنا جسديا ويغيب عنا ذهنيا ونصطلح عليه نحن أهل المدن بكلمة تحمل مغازي شتى من الغيرية التحقيرية «الريف» ..
في كتيب أصدره الجامعي التونسي محمد اللومي بعنوان « تونس : الفلاحة والتنمية المهدورة» بين فيه بوضوح أن السياسة الفلاحية التي عمدت إليها دولة الاستقلال كانت تهدف في عمقها إلى تكريس العقد اللامتكافئ بين عالمي المدينة (الاستهلاك) والريف (الإنتاج) أي أن الدولة الوطنية تطلب من العالم الفلاحي إنتاج كل متطلبات مستهلكي المدن وبخاصة الطبقة الوسطى المتنامية والمتسعة بأبخس الأثمان الممكنة أي أننا طالبنا الريف بأن يدفع لوحده الرفاهية النسبية للمدن وتحول الإنتاج الفلاحي تدريجيا من الإنتاج العائلي إلى إنتاج شبه صناعي أو ما سمي بالثورة الخضراء ، ويبين الأستاذ اللومي في كتابه المفارقات الغريبة لهذه السياسات اذ جعلتنا في الأخير وبشيء من الاختزال نأكل ما لا ننتج (القمح اللين نموذجا) وننتج ما لا نأكل (زيت الزيتون نموذجا ).

الذي يهمنا هنا هي هذه العلاقة اللامتكافئة بين الريف والمدينة والتي بدأت بامتصاص الفائض الفلاحي لضخه في قيام صناعات معملية وتواصلت مع التفاوت الهيكلي في مردودية النشاط الفلاحي مقارنة بالصناعة والخدمات فإن مكن دينار مستثمرا في الصناعة أو الخدمات من ربح 100 مليم مثلا فهو لا ينتج الا 20 او 30 مليما في الفلاحة .
إذا أصبحت الفلاحة كمنتوج والريف كمجال للإنتاج والفلاحين والعملة الفلاحيين كمنتجين هم المتحولة التعديلية للتوازن الاجتماعي الحضري فقط لا غير وهذه السياسات المتواصلة في جوهرها منذ عقود قد وصلت بعد الثورة إلى حدودها بل وأصبحت تهدد حتى الأسس التي قامت عليها كمنظومات الألبان والبيض واللحوم الحمراء خاصة إذ عادة ما تتدخل الإدارة لتسقيف الأثمان دون رعاية إمكانية العيش الكريم لكامل متدخلي القطاع الفلاحي ..

نحن لا نتحدث هنا عن مسالك التوزيع والتخزين وما ادراك ما هذه المسالك وكيف أن صغار ومتوسطي المنتجين يخضعون لصنفين من الابتزاز : ابتزاز عام من الدولة لضمان أسعار معقولة في الأسواق وابتزاز هذه المسالك التي تجني أرباحا هامة على حساب المنتجين مستغلة ضعف قدرتهم التفاوضية وقلة إمكانياتهم اللوجستية .
والنتيجة هي ما نراه أحيانا أمام أعيننا : ضغط مستمر على مرابيح المنتج الذي يلجأ بدوره إلى الضغط على المتحول الوحيد في الكلفة وهو اليد العاملة ويكون ذلك في مستويات ثلاثة : التأجير والتغطية الاجتماعية والنقل فينتج هذا الضغط المستمر ظروفا لا إنسانية تغيب فيها كل عناصر السلامة على مستوى النقل وعلى مستوى العمل في الحقل كذلك ..
نحن هنا أمام أهم تمييز هيكلي في المجال (الريف / المدينة ) وفي النشاط الاقتصادي ( فلاحة مقابل الصناعة والخدمات ) وفي مردودية هذا النشاط (التأجير والربحية ).

وهذا يعني انه بإمكاننا إيجاد حلول ظرفية لمشكلة نقل عملة الفلاحة (وعددهم يناهز نصف مليون عاملة وعامل ) ولكن دون تغيير جذري في هذا العقد اللامتكافئ لا وجود لامكانية فعلية لتحسين ظروف حياة كل المشتغلين في قطاع الفلاحة وبالتالي ظروف العمل والسلامة سواء تعلق الأمر بالنقل أو بالشغل في الحقل ..
*Mohamed Elloumi : « Tunisie : Agriculture, le développement compromis » in collection « les chemins de la dignité » Ed.Nirvana 2018

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا