مستجدات المشهد السمعي البصري: التشريع بين التطبيق والتوظيف

تتصدّر الهيئة العليا المستقلّة للإتصال السمعي البصري «الهيكا» مرّة أخرى الأحداث في الوسط الإعلامي والسياسي ،

ويعود الحديث مجدّدا عن دورها و استقلاليتها وتخضع لتقييم مواقفها و قراراتها .

فرغم ضبط الدستور لمهامها طبق الفصل 127 منه كهيئة تعديلية تضمن حرية التعبير والإعلام التعدّدي النزيه ، و رغم أن المرسوم عدد 116 لسنة 2011 منحها مهام السهر على ضمان حريّة الإتصال السمعي البصري و تعدّديته ، طبق نصوص تجمع بين وضع الضوابط و السهر على إحترام النصوص التشريعية و الترتيبية والمراقبة و البت في النزاعات و معاقبة المخالفات - رغم كل هذا - فإن التجربة بيّنت أن هذه الهيئة بقت طيلة السنوات الماضية حبيسة الهامش الّذي يحدّده التشريع الجاري به العمل، مع التقليص الذي تحدّده لها السلطة القائمة، الأمر الّذي يجعلها تتحرك في حيّز ضيّق ، بعيدا عن المجال النظري،للاختصاص الواسع الّذي ضُبط لها.
في هذا الإطار تكمن المعادلة الصعبة بين ضمان حريّة التعبير من جهة ،و إنفاذ الضوابط القانونية دون التعسّف في إستعمال هذا الحق، من جهة أخرى .

ومن بين الضوابط القانونية ما جاء بكراس الشروط الّتي يجب احترامها من الجميع و الّتي وُضعت لتنظيم النشاط السمعي البصري ، الّذي كان خاضعا في السابق ،لموانع و تراخيص يقع التحكّم فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة من السلطة التنفيذية .
وما حدث بمناسبة تنفيذ قرار «الهيكا» ضد قناة «نسمة» لا يبرّر أي تجاوز إذا ثبت ارتكابه عند التنفيذ ، وهو أمر موكول للقضاء للبت فيه ،ولا يمنع في نفس الوقت التضامن مع الصحفيين والعاملين في القناة ،غير أن كل ذلك لا يجب أن يحجب ضرورة الاحتكام للقانون و فرض احترامه من الجميع ، في انتظار تدارك الإخلال إن وجد لمواصلة النشاط على أسس سليمة دون أي توظيف.

ويمكن القول أن ما حصل هو في الحقيقة و الواقع إعمال متأخر، للنصوص القانونية المعمول بها في هذا الإطار . وهذا يعني ، أنه لا يكفي في تونس ان يوجد التشريع بل يجب أن تتوفر إمكانية التطبيق سواء في إتخاذ القرارات أو في تنفيذها ، دون أي تمييز بين المخالفين .
فالمنظومة القانونية في تونس تقتضي الفصل بين مصدر القرار من القضاء أو الهيئات ، و بين آليات التنفيذ الّتي تمسكها في نهاية الأمر السلطة التنفيذية . لذلك ليس للحكومة المساكة بآليات السلطة التنفيذية، التنصل من مسؤوليتها ومن القيام دورها و ممارسة صلاحياتها في تنفيذ القرارات أو تعطيلها .و عندما نقول سلطة تنفيذية فإنّنا نقصد كل الأطراف المشاركة في الحكومة دون إستثناء، و نخص بالذكر منها المنتفعة من تنفيذ القرارات أو من تعطيلها.

و يعلم العام و الخاص أن الاستنجاد بالقوّة العامّة متوقّف على سندات و أذون تنفيذية وعلى توفير الجهات الإدارية لدى وزارة الداخلية ، للقوات المضطلعة بمهام التنفيذ . لذلك نجد آلاف الأحكام و القرارات في كل المجالات ، لا تنفّذ ويسقط العديد منها بمرور الزمن ، لعدم الإذعان لمصدر القرار أو لعدم توفّر إرادة تنفيذها .
لقد تمّ استهداف «الهيكا» أكثر من مرّة ،لأنها حاولت القيام بدورها رغم النواقص التشريعية، وهذا الاستهداف صدر من الخاص والعام ، عندما اجتهدت لممارسة دورها التعديلي ،و عندما أرادت ممارسة حقها في اتخاذ القرار .

و حتى لا نبقى في العموميات ،تكفي الإشارة إلى عدم تنفيذ مقتضيات كراس الشروط على «قناة الزيتونة «أو «إذاعة القرآن الكريم « ، أو على تدخل السلطة التنفيذية في إقالة أو تعيين المسؤولين في القطاع السمعي البصري العمومي .و يذكر الجميع ما حصل لعدد من مسؤولي التلفزة الوطنية و ما أثارته الإعفاءات أو الإقالات بخصوص مدى تمتع الهيئة العليا المستقلّة للإعلام السمعي البصري (الهيكا)بإبداء رأي مطابق في تسمية الرؤساء المديرين العامين للمؤسسات العمومية للإعلام السمعي البصري ، و من باب أولى و أحرى في إبداء رأي مطابق بخصوص الإقالة، و بصلاحياتها كهيئة مكّلفة بالسهر على ضمان حريّة الإتصال السمعي البصري و تعدّديته ،و السهر على إحترام النصوص التشريعية و الترتيبية و المراقبة والبت في النزاعات و معاقبة المخالفات .

هذا المنحى حصل في أكثر من مناسبة مّما جعل الائتلاف المدني للدفاع عن حرية التعبير منذ فيفري 2014 ، يحذر من خطورة اتساع دائرة الفوضى والصفقات المشبوهة والاستخفاف بالقانون في المشهد السمعي البصري الخاص وانعكاساتها السلبية على العملية الانتخابية ...ومسار الانتقال الديمقراطي. ويطالب «بالكف عن الالتفاف على النصوص القانونية المنظمة لقطاع الاعلام والتطبيق الفعلي والكامل للمرسومين 115 و116 و وضع حد لمحاولات السطو على صلاحيات الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري ...»

و الخطير أن عدم الإذعان للقوانين او عدم إنفاذ الأحكام والقرارات ، لا يتأتّى فقط ،من تخاذل أو لا مبالاة السلطة لشؤون قد تثقل كاهلها ، وإنّما يتأتى أيضا من إرادة واعية ، قد تكون لها خلفيات للابتزاز السياسي و المالي و للفساد. وللتدليل على ذلك ، تكفي الإشارة إلى أن بعض الملفات تبقى مخفية لسنوات و يُنفضُ عنها الغبار عند الحاجة ،بغاية مساومة المخالف أو المجرم مقابل الحصول على تنازلات أو خدمات أو منافع مختلفة. و في هذه الحالة ،بدل أن نحاسب المتسبب في قبر الملفات و تركها مخفية ، نشهرها على المنابر و نحرك آليات تنفيذها لتحقيق الفائدة المرجوّة للجهة المنتفعة منها . لذلك لا يمكن لأحد أن يجهل ما حصل و يحصل من إبتزاز للعديد من الناشطين في المجالات السياسية و القضائية والإدارية و الإعلامية.
يكون أمرا عاديا أن نطبق القانون و لكن ليس عاديا أّلاّ نطبقه على الجميع و في غير الزمن الواجب تطبيقه فيه ، و من غير المنطقي أن نحمل عدم التنفيذ على مصدر القرار أو الحكم بدل تحميل ذلك لمن يمسك بآليات التنفيذ .

و لا ننسى التأكيد على أن «الهيكا» مدعوّة لاستيعاب مهامها ،و لمزيد الإطلاع على ميدان و مجال نشاطها ،كي تكون عارفة بالقوانين و متشبّعة بقيم العدل و المساواة بين جميع المتدخلين في المجال السمعي البصري و قادرة على التعديل والحسم في الإبان ،دون غض الطرف عن أي مخالفة و دون تراخي . كما يجب على السلطة العامّة أن تكون متقبّلة لوجود هذا الهيكل المستقل ، ومتفهّمة لمقتضيات دورها، وعاملة على توفير الإمكانيات الكفيلة بتمكينها من ممارسة مهامها على الوجه الأكمل دون وصاية أو عراقيل . و كل ذلك في انتظار القيام بالتعديلات اللاّزمة و وضع نصوص ملائمة لتوفير آليات أكثر نجاعة و وضوحا لترجمة ما جاء في روح الدستور. وعلى الناشطين في المجال السمعي البصري ألا يتجاهلوا القيم العامّة و أن يذعنوا للقوانين والتراتيب المعمول بها و أن يعوا أن التجاوز الّذي قد يخدمهم اليوم قد ينقلب عليهم مستقبلا، وأن هامش الحرية المتوّفر لا يقدّر بثمن، وأن أكبر خطر يهدّده ، هو التوظيف السياسي والتجاوز و غياب النزاهة و خدمة المصالح الخاصة و الإذعان للضغط والمساومة و الابتزاز.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا