إضرابات إدارية .. الصد عن العمل .. شل حركة الطرقات: من يستفيد من استضعاف الدولة ؟ !

يبدو أن تونس ما بعد الثورة بصدد الابتكار - أو بالأحرى إعادة اكتشاف – أشكال جديدة من الاحتجاج ينتمي جلها إلى

عائلتين كبيرتين :الاعتصام من جهة والإضراب من جهة أخرى ..

ولكن الجديد التونسي هو اشتراك صنف من الاعتصامات وشق آخر من الإضرابات في الصد عن العمل وفي جعل نتيجته تتجاوز حدودها الأصلية لتشمل أوسع عدد ممكن من التونسيين كتعطيل أفراد قلائل إنتاج الفسفاط أو نقله ولجوء بعض نقابات التعليم من الثانوي إلى العالي إلى حجب الأعداد أو الامتناع عن إجراء الامتحانات إلى آخرها – والأكيد أنه لن يكون الأخير – وهو تحول إضراب بعض نقابات النقل غير المنتظم إلى شلل كلي لبعض الطرقات في عدة جهات من الجمهورية ..

ما هو الخيط الرابط بين مختلف هذا الصنف من الاحتجاجات ؟ الاعتقاد بأن الحكومة لا تستجيب لمطالب هذه الفئات إلا متى كانت مجبرة على ذلك بحكم استعمال أقصى وسائل الضغط الممكنة عليها بغض النظر عن شرعية وقانونية وسائل الضغط هذه .

والواضح هنا أننا أمام تصور لا يعبر دوما عن نفسه يعتقد بأننا إزاء دولة راعية ومانحة ومغذية والمطلوب هو انتزاع ما أمكن منها ما دامت الدولة ضعيفة وغير قادرة على الصمود لأنها لو تمكنت من استعادة عافيتها فقد لن ترضخ مستقبلا بمثل هذه السهولة التي نراها اليوم أمام أعيننا ..

لو واصلنا في فهم عمق هذه العقلية فسنجد التالي :
لا مصلحة لمثل هذا الصنف من الاحتجاجات في وجود دولة قوية لان عملية لي الذراع معها لن تكون سهلة ..

الصورة إذن سريالية إلى حد بعيد : هذا الصنف من الاحتجاجات لا يمكنه أن يعيش إلا ضمن دولة ضعيفة غير قادرة على بسط النفوذ على مواطنيها ،بل وتلعب هذه الاحتجاجات على تعميق ضعف الدولة وإعاقة شروط إمكان تعافيها ..

ولكن ما لا يدركه البعض هو أن هذا الإضعاف المتواصل للدولة سيجعلها غير قادرة على تلبية طلبات هذا الصنف من الاحتجاج ..

والسؤال المحير هو من المستفيد من هذا الإضعاف المتواصل للدولة من خلال ابتزازها المادي او المعنوي ؟

الجواب واضح للأسف : كل الجماعات الخارجة عن القانون هي المستفيد الأبرز من عملية استضعاف الدولة ، وهنا لا نتحدث فقط عن جماعات الإجرام المنظم من إرهاب ومخدرات واتجار بالبشر وبالسلاح بل كل نشاط خارج عن القانون كالتهريب والتهرب الجبائي والتشغيل خارج الأطر القانونية وحركة الأموال المشبوهة وغير ذلك من جملة النشاطات الخارجة عن القانون ..

نحن لا نتحدث عن حكومة بعينها في هذه الوضعية بل نتحدث عن الدولة التي تمنع بحكم هذه الهرسلة المتعددة الجوانب من بسط القانون ورعاية الخدمات العامة ..

كل ما قلناه لا يعفي بالطبع القائمين على الحكم في بلادنا من مسؤوليتهم في عملية الاستضعاف هذه ، بل لعلهم يتحملون المسؤولية الأكبر بدءا بقبولهم التنازل تحت الضغط وثانيا لعدم حرصهم على إنفاذ القانون على القوي قبل الضعيف وغلبة الحسابات الآنية عندهم على المصالح الاستراتيجية للبلاد..

كما لا نخرج من دائرة المسؤولية النخب السياسية والجمعياتية والفكرية التي تحرص دوما على إيجاد المبررات لهذه الاحتجاجات القصووية بتعلة تضامنها مع الحركات الاجتماعية ايا كانت مطالبها وأيا كانت وسائل احتجاجها .. فنحن أمام رومانسية ثورية تساهم بدورها في هذه الحلقة المفرغة نظرا لتقديسها لكل تحرك احتجاجي دون اخذ اية مسافة نقدية منه..

لاشك لدينا بأن ظروف حياة العديد من مواطنينا قد ساءت وان البلاد لا تخلق ما يكفي من الثروة ومن القيمة المضافة لكي تتحسن القدرة الشرائية لكل التونسيين ولكن ما الحل ؟ أو بالأحرى هل لدينا حل اخر سوى العمل وتحسين إنتاجية البلاد والرقي في سلم القيم ..؟!

ولكن ما بين الموجود والمنشود البون مازال شاسعا ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا