الكل يحلم بخلق المفاجأة في الخريف القادم بعد التصويت المفيد في 2014: إغراءات التصويت ضد المنظومة أو خارجها ..

تتتابع الانتخابات في بلادنا ولا تتشابه لا في رهاناتها ولا في توازناتها .. ولكن هنالك خيط رابط بين كل الانتخابات الوطنية

وهو قوة جاذبية تصويت الضد.. ضد المنظومة القديمة في 2011 وضد الترويكا في 2014 والآن يشتغل الضد في اتجاهات مختلفة تتمحور كلها إما ضد المنظومة أو خارجها أصلا ..

ولكن ما هي «المنظومة» المقصودة في انتخابات 2019 ؟

سنكتشف بداية أن مفهوم المنظومة قد تعقد وتنوع فنحن لم نعد إزاء منظومة موحدة بل أمام منظومات وما يمكن أن نسميه أيضا بمنظومة المنظومات ..

هنالك بالطبع منظومة الحكم الحالية والتي يمثلها الائتلاف الحزبي الذي يقود الحكومة الآن والمتألف من أحزاب «تحيا تونس» و«النهضة» و«مشروع تونس» و«المبادرة» وبعض المستقلين ولكن المنظومة الحالية تطلق بالأساس على النهضة وتحيا تونس والغريب هنا أن حزب نداء تونس الفائز بانتخابات 2014 والمتواجد على رأس الدولة ،ورأس مجلس نواب الشعب يريد أن يتملّص من حصيلة الحكم ومن منظومته أيضا وأن يتقدم للناس ضد المنظومة الحالية ..

ولكن تأخذ منظومة الحكم معنى أوسع عندما ننظر إليها عن بعد وهي تعني كل شركاء الوضع الحالي من قريب أو بعيد بدءا بالأحزاب ومراكز النفوذ وبعض رجالات المال والأعمال وبعض وسائل الإعلام التقليدية أو الاجتماعية وأوساط من النخب الخ..

كل هؤلاء يتشاركون في التعريف الأوسع لمنظومة الحكم ، وضد كل هؤلاء تصطف كل أنواع وأصناف المعارضات ..

ولكن المنظومة بمعناها الدقيق أوسع من هذه الدائرة الثانية إذ تقحم بالإضافة إلى ما سبق كل العناصر المتفاعلة مع الحكم سلبا وإيجابا فتصبح المعارضة البرلمانية والمنظمات الاجتماعية وكل وسائل الإعلام، الكلاسيكية على الأقل، وجل النخب مساهمة في ما يسمى فعلا بالمنظومة (le système) الذي يدمج صنفا من التنوع والتعدد داخله (كالمعارضات البرلمانية والمنظمات الاجتماعية والنخب الفكرية والإعلامية) ويقصي بقية التعبيرات الأخرى أو يهمش دورها..

وضد هذه «المنظومة» بمفهومها الواسع (أي أهم المخرجات السياسية والاجتماعية والإعلامية والثقافية السائدة بعد الثورة) تقوم أطراف اليوم وتدعو إما للإطاحة بها أو للعمل من خارجها ..

ونقصد هنا بالعمل من خارج المنظومة (المنظومة الحزبية تدقيقا) كل تلك المبادرات التي تقول اليوم بأن المنظومة الحزبية برمتها قد فشلت وأن التغيير لا يأتي إلا من خارجها ..

وهذا هو معنى كل المبادرات المستقلة اليوم والتي لا ترى في الأحزاب السياسية من يمينها إلى يسارها الإطار الأمثل للتمثيل الشعبي أو للتغيير الاجتماعي، ولكن بعض هذه المبادرات لا يشتغل فعلا من خارج هذه المنظومة الواسعة إذ يكمن طموحها المعلن أو الضمني في الانخراط في المنظومة لا في تحطيمها إذ هي في نهاية الأمر ليست بديلا عن منظومة الأحزاب بل أحزابا بالقوة لم تعلن بعد عن نفسها فقط لا غير ..

ويمكن أن نفسر اختيار هذه المبادرات (والتي ستتكاثر مظاهرها العلنية في الأسابيع القادمة) العمل خارج المنظومة لترهل هذه الأخيرة ولفقدانها للكثير من بريقها وجاذبيتها وان العمل خارجها حتى لو كان ظاهريا ومؤقتا قد يجلب جزءا من الناخبين لم يكونوا ليلتفتوا اليها لو اشتغلت هذه المبادرات وفق الأطر الكلاسيكية للمنظومة الحزبية، فتراها تشتغل على شبكات التواصل الاجتماعي بخطاب وأشكال غير معتادة وبوجوه جديدة وغير مستهلكة ولا تنتمي في معظمها إلى الزبائن التقليديين للمنظومة الحزبية في مزاوجة تونسية بين تجربتي اوباما وماكرون ولكن في المحصلة هذا الخروج المؤقت من المنظومة الحزبية إنما يهدف للعودة إليها بعد افتكاك السلطة ، إن تمكن من ذلك ، ولذلك فنحن أمام شكل مستنبط للمنظومة الحزبية لا تمردا راديكاليا ضدها ..

وتبقى في تونس منظومتان كبيرتان أجزاء منها في الأعيان (أي الواقع المادي الملموس) وأخرى في الأذهان (أي متخيلة) وهما منظومتا الثورة والثورة المضادة ..والطريف هنا أن كل من يدعي اليوم معاداة هذه المنظومة أو تلك يجد نفسه أمام نفس الخصم رغم تناقض الأهداف والخطاب ..

فمن هو ضد الثورة اليوم يعتقد أن منظومة الثورة هي المهيمنة اليوم بحكمها ومعارضتها وإعلامها ونخبها ومثقفيها ونشطائها الاجتماعيين والمدنيين. منظومة الثورة بالنسبة إليهم هي كل من حكم وعارض واحتج وساند كل حكومات بعد الثورة الى اليوم .. وهذه الضدية الراديكالية ضد المنظومة الحالية باعتبارها منظومة الثورة تقابلها اليوم ضدية أخرى لا تقل عنها راديكالية ولكنها تعتبر أن المنظومة الحالية خائنة بتمامها وكمالها للثورة وان شرط تحقيق اهداف الثورة هو في هزم هذه المنظومة بكل مكوناتها واذرعتها المالية والإعلامية والثقافية ..

هذه الضدية الراديكالية للمنظومة بكل مخرجاتها وإن كان ذلك من موقعين متضادين تستثمر بالأساس في العجز المتراكم لكل حكومات ما بعد الثورة في تحسين أوضاع الناس وضمان أمنهم ومحيط أفضل لحياتهم اليومية .. ولكن هذه الضدية تعمد إلى الشكلين معا : داخل الأحزاب وخارجها ..

وما نراهن عليه هو أن التصويت خارج المنظومة أو ضدها ستكون له جاذبية متصاعدة إلى حين موعد الانتخابات القادمة ولكن يبقى السؤال هل ستتمكن هذه الجاذبية من تغيير فعلي وعميق للتوازنات السياسية أم أن الناخب في الخلوة سيفضل بصفة عامة الأحزاب والشخصيات القادرة على الحكم على حساب القائمات والشخصيات عديمة الخبرة السياسية او ذات الخطاب الراديكالي ..
المهم على كل حال أن الأحزاب والشخصيات المتحملة أكثر من غيرها تبعات منظومة الحكم الحالية ستكون أمام امتحان صعب في الخريف القادم. من سينتصر في النهاية ؟ جاذبية التغيير من خارج المنظومة أو ضدها أم الشعار الذي يردده بعض التونسيين «شد مشومك لا يجيك ما أشوم»؟

رهان جديد في الأفق ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا