«توا كان يرجعلنا الشاهد (...) نمشيو مع بعضنا اليد في اليد»

تسربت أخبار كثيرة قبيل يوم 20 مارس بأن خطاب رئيس الدولة سيكون هاما جدّا وسيأتي فيه بالجديد خاصة وأننا أصبحنا

قاب قوسين أو أدنى من الانتخابات العامة في خريف هذه السنة ...

وانتظرنا طول الخطاب الجديد فلم نر في الأغلب الأعم شيئا لافتا سوى التأكيد في البداية على ضرورة «الوحدة الوطنية» أو «الوحدة القومية» كما يسميها الباجي قائد السبسي، هذه الوحدة التي أنقذت البلاد ابان استقلالها والتي بامكانها اليوم أن تعيد انقاذ البلاد من جديد من هذا «المضيق»..
ولكن المفارقة الرئاسية الكبرى، وهي ليست الوحيدة، أن جلّ مكونات هذه «الوحدة» المنشودة قد أخطأت في حقه وفي حق البلاد وانحرفت بالدستور وجرّدت رئيس الدولة من كل سلطة أو خرجت من «الوحدة» دون سابق انذار ولأسباب مازالت الى اليوم مجهولة لديه.. انها «وحدة» التأنيب واللوم والتوبيخ خاصة أن الحكومة والنهضة ومن ساندهما عندما تم شق عصا الطاعة حصل الخراب وتراجع الاقتصاد ودخلت البلاد منطقة الخطر...

فالدعوة إلى «الوحدة الوطنية الصماء» لا تتم في قاموس رئيس الجمهورية بين شركاء متساويين بل بين مؤدب وأطفال مشوشين غير قادرين - متى تركوا لوحدهم - على التصرف بالحدّ الأدنى من الحكمة المطلوبة...
هنا جاء الجديد غير المنتظر اذ بعد تحطيم منهجي لعمل هذه الحكومة ولرئيسها المتمرد علىسلطة رئيس الدولة باسناد نهضوي تأتي جملة فاجأت كل الحاضرين في القصر الرئاسي والمتابعين لخطاب الرئيس على شاشة التلفزة: «إذا كان يرجعلنا الشاهد، ما قلتش شاهد العقل، يلزمنا نمشيو مع بعضنا اليد في اليد» جملة سيتوقف عندها كل المعنيين بالشأن العام وكل من يهوى لعبة تفكيك شفرات الخطاب الرئاسي...

«إذا كان يرجعلنا الشاهد» جملة تحيل الى شرود رئيس الحكومة وعصيانه ولكن السؤال الأساسي هو: من ماذا وإلى من؟
«من ماذا؟» الاجابة هنا واضحة: من الاستقواء على الرئيس بالنهضة والعودة إليه والاقرار بعلوية سلطته المادية والمعنوية.. عندها وعندها فقط قد يحصل الابن الضال على ظالته دونما حاجة الى عقوق الأب...
هذا هو الجديد فعلا على امتداد قرابة الساعة من القول الرئاسي وكل البقية مجرد وضع السياقات المطلوبة لهذه المطالبة الرئاسية المبهمة وغير المباشرة مادامت قد جاءت بصيغة التمني والافتراض.

والآن هل نحن أمام لعبة لفظية كتلك التي يحبذها الباجي قائد السبسي أم أمام عرض سياسي جدي؟ وإن كان الأمر كذلك فما هي طبيعة هذا العرض وما هي شروط تحقيقه العملي؟
يبدو أن رئيس الدولة لا يملك، الى حدّ اليوم، تصورا واضحا للتنزيل العملي لرجوع الشاهد وللمشي سويا اليد في اليد .. أو لنقل أنه لا يريد الافصاح بالتفصيل عما يختمر في ذهنه حتى يسبر أراء الآخرين وخاصة استعداد رئيس الحكومة لعودة ما من عدمه..

الواضح أن الباجي قائد السبسي لا يقصد العودة الى نداء تونس فهذا أمر قد حسم من قبل الطرفين، رغبة ساكن قرطاج هو أن يعيد إليه رجوع رئيس الحكومة التحكم من جديد في خيوط اللعبة السياسية وفي أن يكون الباجي قائد السبسي العراب الأول لـ«وحدة وطنية» جديدة تخوض الانتخابات من أجل الانتصار.. «وحدة» يلعب فيها الشاهد الدور الأبرز كأن يكون ممثلها للانتخابات الرئاسية مثلا.. أي بوضوح أكبر مقابل اقرار لفظي أو ضمني من رئيس الحكومة بخطإ التمرد على «الأب» تتم الدعوة الى جبهة سياسية عريضة فيها النداء وتحيا تونس وأحزاب أخرى وشخصيات وطنية ويكون يوسف الشاهد هو مرشح هذه الجبهة بمباركة من قائد السبسي الأب لخلافته في قصر قرطاج.

نراهن بأن هذا السيناريو هو الأقرب إلى ذهن رئيس الدولة ولكن أمامه صعوبات كثيرة بداية بانسجام الخطاب السياسي من جديد بين هؤلاء الفرقاء قبل الحديث عن دفن الأحقاد المتعاظمة بين اخوة الأمس واقناع كل فريق منهما بأن التطاحن مضرّ بكليهما... ثم كيف سيثق الشاهد ورفاقه بعودة الوعي للأب الذي انتصر دائما وأبدا لنجله؟ أليست هذه مناورة جديدة لتحطيم مشروع «تحيا تونس» في المهد؟

لا نعتقد بأن الارتياب الكبير الحاصل بين رأسي السلطة التنفيذية وامتداداتهما الحزبية يمكن أن يتم دفنه بمثل هذه السهولة خاصة وان كان الاقرار بالخطإ مطلوبا من جهة واحدة كما يبدو أنه العرف الرئاسي الجديد..
ولكن رئيس الدولة يعسّر كثيرا من احتمال حصول مثل هذا السيناريو عندما لا يلقي باللائمة إلا على الآخرين مع تبرئة كلية لنفسه ولحزبه ولنجله اذ تحدث عن أخطاء الجميع وصمت عن الخطيئة الأصلية والتي كان هو سببها باقحامه العائلي في السياسي...
يبدو أن الشعور بالعجز قد ألم برئيس الدولة وهو يرى المواعيد الانتخابية تقترب بسرعة دون القدرة على التأثير على الأشياء وبحصيلة خماسية لا شيء فيها أو يكاد..

يمكن أن نلخص كل خطاب رئيس الدولة بكلمة واحدة «خاطيني» فهو غير مسؤول عن السياسات العمومية التي أدت الى الفشل الاقتصادي الذريع وغير مسؤول عن انخرام الوحدة الوطنية لأن الآخرين تمردوا عنها.. وهكذا يكون «اذا يرجعلنا الشاهد» علامة على فشل قرطاج في كامل هذه العهدة أكثر منها مبادرة سياسية جديدة وجدية..
ولكن يخطئ من يعتقد بأن الباجي قائد السبسي قد ألقى المنديل نهائيا.. انه يرى الهزيمة أمامه ولاشك ولكنه سيظل يحاول المناورة المرة تلوى الأخرى حتى في الوقت بدل الضائع ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا